أفكار متفرقة – كريشنا مورتي

لا يجوز لك أبدًا أن تظل هنا أكثر مما ينبغي؛ كن من البعد بحيث لا يكون بمستطاعهم أن يجدوك، أن يمسكوا بك ليشكِّلوك، ليُقَوْلبوك. كن بعيدًا جدًّا، كالجبال، كالهواء غير الملوث؛ كن من البعد بحيث لا يكون لك أهل، ولا علاقات، ولا أسرة، ولا وطن؛ كن من البعد بحيث لا تعرف حتى أين أنت. إياك أن تدعهم يعثرون عليك؛ إياك أن تحتك بهم احتكاكًا ألصق مما ينبغي. ابْقَ بعيدًا جدًّا حيث حتى أنت لا تقدر أن تجد نفسك”

عصفور

أتساءل فيما إذا سألنا أنفسنا يومًا عن معنى التربية. لماذا نذهب إلى المدرسة والجامعة، لماذا نتعلم مواد متنوعة، لماذا نجتاز امتحانات ونتنافس فيما بيننا على درجات أفضل؟ ماذا تعني هذه التربية المزعومة، وما هو أساسها؟ هذه حقًّا مسألة هامة للغاية، ليس للطلاب وحسب، بل وللأهل والمدرسين أيضًا، ولكل مَن يحب هذه الأرض. لماذا نحتمل كل هذه المشقة في سبيل التعليم؟ هل نفعل لمجرد النجاح في بعض الامتحانات والحصول على وظيفة؟ أم أن دور التربية هو تأهيلنا، مادمنا في ريعان الشباب، لفهم سيرورة الحياة بأسرها؟ إن الحصول على وظيفة وكسب العيش أمر ضروري – ولكن هل ذلك كل شيء؟ هل نتربى من أجل ذلك فقط؟ الحياة ليست قطعًا مجرد وظيفة أو صنعة؛ الحياة شيء خارق الاتساع والعمق؛ إنها سرٌّ عظيم، مجال شاسع، نؤدي فيه دورنا كبشر. فإذا كنا نستعد لمجرد كسب العيش، سيفوتنا معنى الحياة ككل؛ وفهم الحياة أهم بكثير جدًّا من مجرد الاستعداد للامتحانات لنصير بارعين جدًّا في الرياضيات أو الفيزياء أو ما شئتم
بالتأكيد، لا معنى للتربية بتاتًا ما لم تساعدكم على فهم مدى الحياة الشاسع، بكل دقائقها، بجمالها الخارق، بأحزانها وأفراحها. قد تنالون شهادات، وقد يكون اسمكم مسبوقًا بسلسلة من الألقاب، فتتصيدون وظيفة مرموقة – لكن ماذا بعد؟ ما فائدة هذا كله إذا صار ذهنكم من جراء ذلك بليدًا، خاملاً، غبيًّا؟ وإذن، ألا يجدر بكم، مادمتم في ريعان الصبا، أن تبحثوا لتكتشفوا ما هو جوهر الحياة؟ ثم أليس دور التربية الحقيقي أن ينمي فيكم الذكاء الذي سيحاول أن يجد الإجابة عن هذه المسائل كلها؟ هل تعلمون ما هو الذكاء؟ إنه قطعًا القدرة على التفكير الحر، من غير خوف، من غير صيغة جاهزة، بحيث تبدأ بالاكتشاف بنفسك ما هو حقيقي، ما هو صحيح؛ لكنك إذا كنت خائفًا فلن تكون ذكيًّا أبدًا. إن أي شكل من أشكال الطموح، روحانيًّا كان أم دنيويًّا، يولد القلق والخوف؛ لذا فإن الطموح لا يساعد على إيجاد ذهن واضح، بسيط، مباشر، ومن ثَمَّ ذكي

1234954_572511619452718_836226756_n

“أتعرفون ماذا يعني هذا – أي شيء خارق هو إيجاد جوٍّ لا خوف فيه؟ ويجب علينا أن نوجِد مثل هذا الجو، لأننا نرى أن العالم مشتبك في حروب لا تنتهي؛ إنه عالم يقوده رجال سياسة يسعون دومًا إلى النفوذ؛ إنه عالم من المحامين ورجال الشرطة والجنود، عالم من الرجال والنساء الطموحين، كلهم يطلب المنصب ويتقاتل للحصول عليه. ثم هناك القديسون المزعومون، الـگورو (المعلمون) الدينيون مع أتباعهم؛ وهم أيضًا يطلبون النفوذ والمنصب، سواء في هذه الدنيا أو في الآخرة. إنه عالم مجنون، مشوش تمامًا، يحارب فيه الشيوعيُّ الرأسمالي، ويقاوم الاشتراكيُّ كليهما، وكل واحد يعادي أحدًا آخر، كادحًا للوصول إلى مكان آمن أو منصب نافذ أو رخاء. العالم تمزِّقه معتقدات متنازعة، تمييزات طائفية وطبقية، انقسامات قومية، وسائر أشكال الحماقة والقسوة – وهذا هو العالم الذي تُربَون على التكيف معه. إنكم تشجَّعون على التكيف ضمن إطار هذا المجتمع الكارثي؛ أهلكم يريدونكم أن تفعلوا ذلك، وأنتم أيضًا تريدون التكيف معه.”

523586_10151339600396059_1026433109_n (1)

والآن، ما معنى أن يكون المرء حرًّا؟ هل الحرية هي قضية أن تفعل ما يتفق له أن يلائمك، أن تذهب إلى حيث يحلو لك، أو أن تفكر فيما تشاء؟ هذا ما تفعلونه في كل الأحوال. مجرد الحصول على الاستقلال، هل يعني ذلك الحرية؟ أناس كثيرون في العالم مستقلون، لكنْ قليلون جدًّا أحرار. الحرية تقتضي ذكاءً عظيمًا، ألا تقتضيه؟ أن تكون حرًّا هو أن تكون ذكيًّا؛ لكن الذكاء لا يوجد بمجرد تمني الحرية، بل يوجد فقط عندما تبدأ بفهم بيئتك كلها، بفهم المؤثرات الاجتماعية والدينية وتأثيرات الأبوين والتقاليد التي تضيِّق عليك الخناق باستمرار. لكن فهم هذه المؤثرات المختلفة – تأثير أبويك، حكومتك، المجتمع، الثقافة التي تنتمي إليها، تأثير معتقداتك، آلهتك وخرافاتك، تأثير التقاليد التي ترضخ لها من دون تفكير – إن فهم هذه المؤثرات كلها والتحرر منها يتطلب نفاذ بصيرة عميق؛ لكنك في الغالب تستسلم لها لأنك داخليًّا مرعوب: تراك تخشى عدم الحصول على منصب جيد في الحياة؛ تخشى ما سوف يقوله رجل الدين؛ تخشى عدم اتِّباع التقليد وعدم فعل الصواب. لكن الحرية في الحقيقة حالة ذهنية لا خوف فيها ولا إكراه، ولا دافع إلى الشعور بالأمن”.
“ألا يريد أغلبنا أن يشعروا بالأمان؟ ألا نريد أن يقال لنا: كم نحن أناس رائعون، كم نبدو محبَّبين، أو أي ذكاء خارق هو ذكاؤنا؟ – فلولا ذلك لما وضعنا ألقابًا قبل أسمائنا. تلك الأشياء من هذا النوع تمنحنا ثقة بالنفس، إحساسًا بالأهمية. نريد جميعًا أن نكون أناسًا مشهورين – وبمجرد أن نريد أن نكون ذوي شأن لا نعود أحرارًا.”

1044144_513370982069688_1677022119_n

للكاتب والمفكر
جدو كريشنا مورتي
ترجمة: ديميتري افيرينوس
إقتباس: أحلام رحال

6 Comments (+add yours?)

  1. محمد ديريه
    Apr 20, 2014 @ 03:46:19

    اتفق معه في اغلب الأفكار .. بس محتار قليلا فيما بتعلق بالعلاقة بين الطموح و الذكاء
    . إن أي شكل من أشكال الطموح، روحانيًّا كان أم دنيويًّا، يولد القلق والخوف؛ لذا فإن الطموح لا يساعد على إيجاد ذهن واضح، بسيط، مباشر، ومن ثَمَّ ذكي

    مدونة رائعه أستاذه أحلام .. بورك قلمك وذائقتك الخضراء
    وروحك الحيه .

    Reply

  2. أحلام رحال
    Apr 20, 2014 @ 17:57:07

    أهلا عزيزي محمد
    سعيدة بزيارتك الطيبة
    أتفق معك في ملاحظتك، وهي فعلا لفتت نظري حين قرأت كتاب جدو كريشنامورتي. إذا فهمتُ قصدك جيدا، فإني أيضا فكرتُ في كلام الكاتب حول الطموح في التقدم والوصول للعلا، ورأيتُ أنه برأيه هذا يحدد آفاق الشخص ويثير فيه شكوكا إزاء رغبته في التقدم وتحقيق شهادات ومناصب أعلى، وإذا صدقناه وآمنا فيه فإننا سنبقى مكاننا فرحين بما نحن فيه ولا ننجز شيئا جديدا
    لكني أخذت الموضوع كمادة للتفكير، ربما يستحق منا الأمر فحصا حقيقيا لأسباب الطموح
    هل هي الخوف والقلق؟ أم الرغبة حقا في التطور وإكتشاف الجديد؟

    أشكرك محمد على لطف كلامك
    أسعدني مرورك
    أحلام

    Reply

    • محمد ديريه
      Apr 20, 2014 @ 18:54:06

      سأفعل لابد .. يغيب القرصان لكن يهطل كالليل فجأة
      وفائك للمدونات التي انقرضت فعليا يدهشني .. رفضك التقدم باتجاه التقنية بكامل اختيارك مثير للدهشة
      أكثر من رجل بتاريخي ميلاد ياأحلام🙂

      على كل .. سعيد بما قرأت .. الأدب لعبة أنيقة رغم كثرة ضحاياها على الورق
      وفي الحياة مثلي .. ومثلك .. ربما كان أدب الرحلات مصافحة جيدة لكاتبة أنيقه
      بين النصين ثلاث سنين .. والكثير من الحكايات

      http://www.addustour.com/sn/873042/

      http://www.alsakher.com/showthread.php?t=159026

      قراءة ممتعة في بيتك الأنيق هنا .. بين ركام الحرف
      ومطرزة الكلمات

      تحياتي للناصره
      بيتا بيتا

      .

      Reply

      • أحلام رحال
        Apr 20, 2014 @ 19:01:45

        تحياتي لك محمد
        سيطل قرصاني أيضا على كلماتك هذا المساء، لألتقط منها ياقوت ما ستقول
        تحياتي لعمان أيضا، حتى تعود إلى هناك🙂
        مودتي

  3. محمد ديريه
    Apr 20, 2014 @ 18:02:06

    الفضل للمبتديء بالجمال .. مدونتك النور بأجنحة من خيال الأفكار واقتناصات قارئة ذكية
    لك التحية .. الأماني أطيبها .. وهذا الدأب على الحرف ومسامرة الأفكار لابد منجب لنا
    كاتبة من طراز رفيع .. كبقية من أحفاد ماركيز .. يوسا .. والرائعين القادمين
    من نسب الكلمات .. تحياتي واحترامي العميق أ- أحلام
    محمد ديريه

    Reply

    • أحلام رحال
      Apr 20, 2014 @ 18:39:19

      سلمتَ محمد.. لم أقرأ لك بعد، ولكني واثقة أنك كاتب رائع
      يُسعدني أن ترسل لي رابطا أو عنوانا لقراءة حرفك وما يفيض به يراعك

      في الحقيقة أنا لا أعلم هنا، ماذا فعلتُ أكثر؟ هل كتبتُ بشكل ذاتي أكثر، أم عقبتُ على بعض ما قرأت، أم شاركتُ بعض الأفكار من كُتّاب؟ لا يهم كثيرا
      يسرني حين يتسع لك الوقت أن تمر على بعض الخواطر الأدبية التي كتبتها في المدونة وتُخبرني برأيك
      لو كانت هنالك نقاط بحاجة لتحسين سيهمني فعلا، فأنا مجرد هاوية وطفلة تحبو على أرض الأدب🙂

      كل الود والتحية
      أحلام

      Reply

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: