رواية “النبطي” – البطل الصامت

NABATI

أنهيت منذ يومين قراءة رواية “النبطي” للأديب والباحث د. يوسف زيدان.
تتحدث الرواية عن حقبة تاريخية مهمة تدور أحداثها في القرن السابع ميلادي، وهي فترة زمنية تمثلت في أحداث تاريخية غيرت الكثير في وجه حضارة شبه الجزيرة العربية والبلدان المجاورة، أهم أحداثها كان ظهور الدين الإسلامي، وصراعه مع ثقافات وقوى إجتماعية، دينية وسياسية أخرى، مثل الديانات الوثنية، المسيحة واليهودية، حضارة الروم والفرس والأنباط، وما نتج عنها من سيادة القوي وفرض عقيدته على الشعوب الأخرى.
كما هي طريقة يوسف زيدان في عرض القصص التاريخية، فإنه يروي التاريخ بشكل روائي، متحدثا بلسان الراوية مارية التي جاءت من بلاد الأقباط في مصر وتزوجت من تاجر نبطي مسيحي. فهي تخبرنا عن حياتها الشخصية اليومية في بلاد الأقباط وما طرأ عليها من تغيير خلال زواجها وانكشافها على حضارة الأنباط وثقافتهم، ثم تتقاطع أحداث الرواية مع ظهور النبي القرشي وانطلاق الديانة الإسلامية في شبه الجزيرة العربية وامتدادها على البلدان المجاورة.
يضع الكاتب يوسف زيدان من خلال روايته علامات الإستفهام الكثيرة على حقيقة نشر الدين الإسلامي وأسلوب فرضه على الشعوب المجاورة، ملمحا إلى أن طريقة نشر الدين لم تكن سلمية، وإنما جاءت بالغطرسة وسفك الدماء والترهيب. وكثيرا ما استغلها البعض من أجل الأرباح الإقتصادية، مثل الأنباط الذين دخلوا الدين الإسلامي وفتحوا للمسلمين المجال لدخولهم مصر، مقابل عملهم في تجارة الخيل للجيش الإسلامي والإستفادة منهم. وآخرون استفادوا من الغنائم التي تُأخذ في الحروب.
يلمح الكاتب إلى ميزات سلبية كثيرة في الدين الإسلامي، مثل قضية إهداء مارية القبطية الجارية الصغيرة إلى النبي القرشي الذي أحب النساء على حسب قول الشخصيات في الرواية، وإلى قضية تعدد الزوجات التي استغلها الكثير من الشخصيات مثل عمرو بن العاص وسلومة زوج الراوية، إضافة إلى عملية فرض الدين الإسلامي على اليهود والمسيحيين مقابل التنازل لهم عن دفع ضريبة الجزية، وإلى استعمال العنف وسفك الدماء من اجل الاستيلاء على الأراضي وتوسيع السيطرة عليها.
بالرغم من ذكاء يوسف زيدان في توظيف القصة من أجل رواية التاريخ من منظار آخر يختلف عما تعلمناه في كتب التاريخ، فإنني أضع الكثير من التساؤلات على أمور أخرى في مضمون الرواية.. منها النقد ال”مرتبك” الذي وجهه الكاتب للديانة الإسلامية، وتناول الأمر من جوانبه فقط وبشكل سطحي خفيف، أشعرني وكأن الكاتب خائف من الخوض عميقا في نقد ظهور هذه الديانة ونقد شخصياتها البارزة، على عكس ما قام به في رواية “عزازيل” والتي تحدث فيها بكل قوة عن أفكار جوهرية في الديانة المسيحية، مثل الأقنوم، وفكرة الروح القدس، ومعتقدات دينية أخرى. في رواية النبطي نجد الكاتب قد ألمح بتلميحات غير مباشرة على ميزات الدين الإسلامي، كالميزات التي طرحتها سابقا: تعدد الزوجات، سفك الدماء وغيرها.. وهي أمور لم يقلها الكاتب مباشرة وإنما ترك القارئ يستنتجها بنفسه. كما ولم يتطرق إلى جوهر العقيدة الإسلامية وأفكارها بمثل ما فعل في رواية “عزازيل”.
من ناحية أخرى، أتساءل كثيرا ماذا كان دور النبطي في القصة؟ هذه الشخصية التي سُميت الرواية على اسمه، فهو لم يظهر إلا في منتصف الرواية. ولم يعطه الكاتب حقه في التحدث كثيرا عن رؤيته ونظرته الفلسفية للأمور. لم يقل الكاتب على لسانه إلا بضعة أفكار، وفي كثير من المقاطع كان النبطي صامتا، يستمع إلى حيثيات ظهور الديانة الإسلامية، والصراعات الحادثة في المنطقة، وقرار الأنباط بالرحيل إلى أرض مصر، دون أن ينبس النبطي ببنت شفة، فقد كان إما مسافرا في الأنحاء أو صامتا حائرا لا يتفوه إلا ببضع كلمات
كل ما أظهره الكاتب أن للنبطي سمات الأنبياء، كان يدعي أن وحيا ينزل إليه، وكان يبدو من خلال نظرته الفلسفية للأمور أنه يؤمن بالعلاقات الروحية بين جميع الكائنات الحية، ويؤمن بالمنطق الروحي للأمور والتي نجد كثيرا منها في الأديان الوثنية، مثلا أن الأم هي الإله وهي الأصل، ومنها جاءت البشرية. كما وكان يؤمن بتناسخ الأرواح وعدم فنائها، فهي تنتقل من جسد ذكري إلى جسد أنثوي حتى تكتمل الدورة الروحية للحياة.
شخصية النبطي كانت هادئة، متسامحة مع الآخرين، متسامح مع نفسه، محب للبشرية والإنسان أينما كان. لطيف المعاملة ورقيق الإحساس.. ولكنه كان سلبيا، بمفهوم أنه لم يدافع عن رأيه في شيء لا يعجبه. كلماته كانت قليلة، رأي واحد قاله عندما وصله القرآن فقال عن النبي محمد: يأتي بهذا ويسفك الدماء؟
كقارئة، كنت بحاجة إلى الإستماع أكثر لما يريد النبطي قوله، إلى رأيه حول ما يحدث حوله عندما حدثت الإنقلابات والتغييرات الحضارية. ربما اختار له الكاتب أن يلتزم الصمت والقرار بأن يبقى في أرض الأنباط وحده وعدم الرحيل مع عائلته إلى مصر، رمزا للآثار التي بقيت للنبطيين في منطقة جنوب الأردن ودليل آخر على الأشخاص غير الراضين عما حدث في وجه التاريخ آنذاك ولم يستطيعوا تغيير الأمور
أم كان صمته انعكاسا لارتباك الكاتب في إبداء رأيه الشخصي المباشر حول سيرورة الأحداث التي دارت في تلك الفترة؟ أم أنها طبيعة الديانات الوثنية المسالمة والمؤمنة بالسلام والمحبة؟ ما لا نجده في الديانات السماوية. أم أن النبطي كان رمزا للأنبياء المغمورين لأنهم لم يفرضوا فلسفتهم الحياتية بالقوة ولذلك لم يعترف بهم التاريخ؟
في النهاية، يبقى أفضل ما يُحسب للكاتب، هو روعته في إعادة صياغة التاريخ من منظار آخر وإعادة ترتيب الأحداث وعدم الوقوف على الموروثات التاريخية التي تصلنا دون النظر إليها من جوانب أخرى.

وكما هي العادة في قراءة كتب يوسف زيدان، فأنت دائما تخرج مُحملا بالتساؤلات والحيرة والبلبلة. أنت حقا لا تخرج من الكتاب بمثل ما دخلته

قراءة أحلام رحال- 02 كانون الثاني 2014

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: