على هوامش يوم المرأة العالمي

424557_310247272368679_100001502267978_831812_1036347039_n


في يوم المرأة العالمي، الثامن من آذار، دخل بعض النشيطات والنشيطون من جمعيات داعمة للمرأة ووزعوا علينا ورودا وبطاقات مكتوب فيها: “لن أسميك امرأة سأسميك كل شي. نحن فخورون بك كامرأة عاملة ومتعلمة”.  طبعا أسعدتني البطاقة التي حصلت عليها والتقدير الجميل الذي مُنح لزميلاتي في العمل ولي. ولكني فكرت فيما بعد في مدى فخر المجتمع بالنساء العاملات وبالتغيير الذي حصل فعلا على مكانة المرأة بعد انخراطها في سوق العمل. وتساءلت: هل حقا تحررت المرأة؟ هل أصبحت أكثر إستقلالا؟ هل وجدت المرأة مصلحتها الذاتية ونفعت المجتمع؟ أم أن هنالك منتفع آخر من وراء عملها؟

لم أجد أجوبة واضحة على أسئلتي هذه، بل وجدت عدة نقاط وجوانب مختلفة ارتأيت تسجيلها على هوامش هذا الموضوع: رأيت للوهلة الأولى أن خروج المرأة إلى سوق العمل، وإنخراطها في الحياة العملية ومشاركتها المجتمع برأيها وأفكارها وإنتاجها وكسبها للمال بعد هذا، قد حررها من سلطة المجتمع الذكوري وأصبحت مستقلة نفسيا وإقتصاديا.  ولكني بعد قليل تمعنت في الصورة أكثر فاكتشفت أن الأمر غير دقيق. وتذكرت جملة شعرية قالها الشاعر نزار قباني: خلاصة القضية، لبسنا قشرة الحضارة والروح جاهلية.  ففي مسح بسيط لأوضاع بعض النساء الفلسطينيات العاملات اللاتي أعرفهن، بدءا من زميلاتي وصديقاتي العاملات في وظائف تُعتبر محترمة ولها مكانة إجتماعية جيدة، مرورا بالنساء اللاتي يعملن في الحيز الخاص (مثل موظفات مكاتب) وإنتهاء بالنساء اللاتي يعملن في مهن مختلفة لا تحتاج إلى شهادات جامعية. وقد وجدت أن معظم هؤلاء النساء يعملن بشكل مزدوج، أي يعملن خارج البيت وداخله، بحيث يقمن بوظيفتهن في مكان العمل ثم يعدن إلى البيت ويقمن بالمهام المنزلية المطلوبة منهن كنساء والتي حافظ عليها المجتمع كتابعة من حيث التقسيم الجندري إلى دور النساء في المجتمع. مثل تنظيف البيت، تحضير الطعام، العناية بالأطفال، والعناية بالزوج لدى عودته من العمل. في المقابل فإن الزوح قد حافظ على مهنة واحدة غير مزدوجة، فهو يعمل في مكان عمله فقط دون أن يحتاج إلى العودة إلى البيت للقيام بالمهام المنزلية مع زوجته أو بدلا عنها. وحتى لا يكون كلامي مبالغا به أو فيه تعميم، فإني أتفق مع البعض بأن هنالك أزواج الذين يقومون بمساعدة زوجاتهم في الأعمال المنزلية وتربية الأبناء والعناية بهم، ولكنها تبقى “مساعدة” وليست حملا للمسؤولية. أي أنه يقدم مساعدته لزوجته، بينما لا زال العبء والمسؤولية يقعان على عاتق المرأة أكثر من الرجل. فبالرغم من أن زوجها قد يساعدها في المنزل ولكن التفكير بالأعمال المنزلية والعناية بالأبناء هو جهد تبذله المرأة حتى لو لم تقم بفعله بنفسها. مثلا قليلا ما سمعت عن رجل لا يريد أن يتأخر خارج المنزل حتى يصل البيت مبكرا لينظفه ويحضر الطعام قبل وصول زوجته والأبناء، ولا سمعت حتى الآن عن رجل قلّص حجم وظيفته من أجل هذا. بينما نجد كثيرا من النساء يقدمن مثل هذه “التنازلات” إن صح التعبير. وعليه فإن خروج المرأة للعمل لم يخلصها من القوالب التي وُضعت فيها من حيث الأدوار الإجتماعية التي حُددت لها سلفا والتوقع منها القيام بهذه الأدوار كما إعتاد المجتمع عليها منذ عقود، وربما أكثر 

نقطة ثانية، تتعلق مسألة المشاركة المالية التي تقدمها المرأة للأسرة. في فترة المعيشة على الزراعة ومحصولها، كان الرجل يشجع زوجته على الخروج معه إلى الحقول من أجل العمل والزراعة وجني المحصول، وليس حبا في تحررها وإستقلاليتها، وإنما لكي تتقاضى أجرا ماديا على عملها أو تعود من الحقل ببعض الخضراوات والفواكه تعيل فيها الأسرة. في العصر الحديث لم يختلف الأمر كثيرا بل لبس شكلا آخر. فالنساء يخرجن للعمل في المكاتب والأسواق والمؤسسات وغيرها لكي يكسبن المال وينفقن على المنزل والأسرة أسوة بالرجل. والأمثلة كثيرة، أول الأمر أذكر الكثير من الرجال في بلادنا الذين يبحثون عن نساء عاملات ومتعلمات للزواج بهن، ويرون فيهنّ مشروع استثمار جيد ورابح يساعدهم في إعالة الأسرة وتخفيف العبء عليهم. مثال ثانٍ هو لصديقتي التي توقف زوجها عن العمل بشكل تدريجي وأصبح يكتفي بتقاضي راتب من التأمين الوطني بعدما رأى زوجته قد تمكنت من وظيفتها وأصبحت تعمل بشكل دائم. ومثال آخر، هو سماعي لأقوال أحد الرجال “المتحضرين”  في حديثه لي بأنه لا يبحث عن امرأة عاملة، يريدها أن تعتني به وبالأبناء فقط، لأنه ليس بحاجة إلى مالها، فهو يكسب ما يكفي من المال لإعالة الأسرة. ورجل آخر قال لي ذات مرة: المرأة عماد الأسرة، من المهم أن تعمل وتستلم وظيفة ثابتة لكي يرتاح زوجها من عبء النفقة على الأسرة. وعليه، فإني أتساءل هنا أين شعار تحقيق الذات للمرأة عن طريق عملها؟ أرى هنا أن تحقيقها لذاتها كان قشرة تختبئ تحتها مصلحة الرجل وراحته

النقطة الثالثة وهي موضوع إستقلالية المرأة ماديا ونفسيا. هل هذا صحيح؟ هل استطاعت المرأة بخروجها للعمل أن تحقق إستقلالا نفسيا وماديا عن زوجها؟ إلى أي درجة صارت المرأة سيدة قراراتها
من جهة أرى أن الأمر فيه شيء من الصحة. إذ أن المرأة الحديثة العاملة والمستقلة ماديا لم تعد تحتاج إلى الزوج كما كان الأمر من قبل، وربما لم تعد في حاجة إلى الزواج أصلا لكي تجد من ينفق عليها كما كان يُعتقد في السابق. وأنه على رغم ما يحصده الزوج من مصالح في خروج زوجته إلى العمل، فإن المرأة أقل تقيّدا بزوجها عما كان من قبل. فإذا ما حدث انفصال بينهما، فإن الزوجة العاملة تستطيع أن تستمر وأن تعيل نفسها وتعيل أبنائها وليست بحاجة إلى الصمت وتحمل الذل من أجل البقاء تحت نفقة الرجل. بالرغم من هذا، فإن لدي تحفظات على ما أسلفت الذكر، إذ أنه رغم استقلال المرأة ماديا ونفسيا بعد خروجها للعمل وكسب المال، فهي في كثير من الأحيان غير قادرة على تحقيق هذه الإستقلالية بشكل كامل، نظرا للقيود التي يفرضها المجتمع على المرأة المستقلة المتحررة من سلطة الرجل. لنأخذ مثالا بسيطا: كيف يتعامل المجتمع مع المرأة المطلقة (بفتح اللام أو كسرها)؟ هل مكانتها في المجتمع كمكانة الرجل المطلق؟ هل إمكانياتها لتكوين أسرة جديدة مع زوج جديد واردة بكثرة كما هي الحال لدى الزوج المطلق؟ ما هي الضغوطات التي تتعرض إليها المرأة المطلقة حتى لو كانت عاملة وسيدة لنفسها؟ إلى أي درجة من الثقة بالنفس والحصانة النفسية تحتاج لكي تحافظ على ثباتها أمام الضغوطات والتلاسن والنظرات المتهمة التي يمارسها المجتمع عليها؟

أعرف إمرأة في الأربعين من عمرها، تطلقت أو بالأحرى طلَّقت زوجها بعد سنوات من العذاب النفسي والجسدي معه. أخذت أبناءها وأكملت عملها وظلت تنفق عليهم وتربيهم بشكل ذاتي دون أن يقوم طليقها بتقديم مساعدة صغيرة لها ولأبنائه. ذات يوم خرجت إشاعة إلى البلدة تقول بأن هذه المرأة قد ماتت في ظروف غامضة، وعلى الفور بدأت الألسن تحلل وتتناقل أسباب وفاتها: انتقم منها طليقها لأنها رفضت العودة إليه. ضبطها طليقها برفقة رجل آخر فانتقم لشرفه. ضبطها أخيها برفقة رجل فقتلها… وتحليلات “إبداعية” أخرى .. وظهر في النهاية أن المرأة في عملها كالعادة ولم يمسها أي ضرر. هالتني هذه التحليلات القاسية، وصدمتني أنها خرجت بالأكثر من نساء مثلها!

نقطة رابعة وأخيرة، حولَ الامتيازات التي تتمع بها المرأة: أتذكر أحد الرجال الذي قال لي ساخرا: يوم المرأة ويوم المرأة، أوجعتم رؤوسنا بأيام المرأة هذه. قلت له: أي أيام ؟ كله يا رجل يوم واحد و364 يوما لكم. أبعد كل الحقوق التي لكم تستكثر علينا بهذا اليوم؟ أجابني ضاحكا: أي حقوق هذه؟ ألم تنالوا حقوقكن مساواة بنا؟ قلت بعزم: لا
ثم فكرت قليلا في الإمتيازات التي لا زال يتمتع بها الرجل العربي وحتى الأجنبي ولا تتمتع بها المرأة. أذكر من بينها قضية نسب الأبناء إلى آبائهم. لا زالت الكثير من المجتمعات لا سيما مجتمعنا العربي، تنسب الأبناء الذين يولدون من رحم النساء إلى كنية الرجل. ميزة أخرى متبعة في أوساط مجتمعنا الفلسطيني بشكل خاص هي نسب كنية الرجل إلى اسم المرأة عند زواجها منه، فهي تُسقط عن اسمها كنية عائلتها الأصلية التي جاءت منها وتحمل عند الزواج كنية زوجها، بينما لا يفعل الزوج هذا الأمر إطلاقا. إضافة لهذا فإنه في الزواج التقليدي “تضطر” المرأة إلى الخروج من عائلتها التي تربت فيها والإنضمام إلى عائلة زوجها، وليس العكس. كما وفي كثير من الأماكن مثلما هو في معظم الشرائح السكانية من مجتمعنا الفلسطيني، تنتقل المرأة للسكن بجانب بيت عائلة زوجها بينما لا ينتقل الرجل للسكن بجانب بيت عائلة زوجته، وتضطر المرأة إلى التأقلم مع البيئة الجديدة والعادات الجديدة في عائلة الزوج ولا يضطر الرجل إلى القيام بهذا أبدا. كما ويتقدم الرجل لخطبة المرأة التي يختارها ولا تفعل المرأة هذا.أضف لهذا أن نسبة الرجال أصحاب الإعاقة الذين يتزوجون أكبر بكثير منها لدى النساء ممن لديهن إعاقة، إذ أن نسبتهن تكاد تقارب الصفر. وسوقوا على هذه الأمثلة إمتيازات أخرى يتمتع بها الرجل سواء شئنا هذا أم أبينا

راودتني الأفكار المطروحة أعلاه، خلال الإحتفالات المُعلنة بيوم المرأة، فكانت لديّ وقفة عند موضوع لم يمرّ علي مرّ الكرام، ولم أسلّم مع فكرة أن خروج المرأة للعمل قد حررها حتى الآن من قيود المجتمع الذكوري وسلطة الرجل. لا أنفي وجود نساء قويات استطعن تحقيق استقلاليتهن في كل شيء، ولكنهن أقلية مقابل أكثرية النساء اللاتي يعشن خاصة في ثقافة تقليلدية لم تعترف بعد بحق المرأة ككيان مستقل. بالإمكان أيضا التوسع أكثر في الطرح والتعمق في جذوره للوصول إلى سياسات الدولة وأنظمتها المالية التي تزيد من خناقها على النساء، تحت شعارات التحرر والانفتاح. ولكنه موضوع مقال آخر يستحق منا التأمل فيه وكتابته بمعزل نسبي وارتباط بأصول اجتماعية تقليدية لم تنته بعد.

 

424557_310247272368679_100001502267978_831812_1036347039_n

أحلام رحال- 11 آذار 2013

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: