محمود درويش- الغائب الحاضر

1-new_thumbjpg

سيري ببطء يا حياة لكي أراكِ بكامل النقصان حولي
كم نسيتك في خضمك باحثا عني وعنك
وكلما أدركت سرا منك قلت بقسوة: ما أجهلك
قل للغياب: نقصتني، وأنا أتيت لأكملك
محمود درويش

تربطني بالشاعر محمود درويش علاقة لم أجد لها يوما معنى ملائما ولا كلمة ملائمة لوصفها، إذ لم ألتقِ به في حياتي وجها لوجه، ولكني التقيت فيه عبر السطور والكلمات التي حلقَت في دواوينه. كنت أحسد أصدقائي الذين استطاعوا لقاءه في إحدى الندوات الشعرية. واحدة منهم كانت في جوار بيتنا، وقد منعني الكم الهائل من السيارات والجماهير التي تدافعت إلى قاعة الندوة من الدخول

يقول البعض، يدرك الفرد عمق المحبة عند الفراق. وقد أدركت عمق محبتي وتأثري بهذا الشاعر، عندما دخل أبي إلى البيت، يوم السبت من تاريخ 9 آب 2008 مساء وسألني بهدوء: هل علمت أن محمود درويش قد تُوفي قبل قليل؟

شعرتُ بغصة عميقة في القلب، لم أصدق ما قاله. ظننت أنه يمازحني، ولكن سرعان ما سمعت تناقل الخبر لدى الإذاعات والشبكات الإخبارية. كنت أشعر أن الرحيل كان مبكرا وأني فقدت إنسانا عزيزا جدا على قلبي لم ألتق به حقيقة في حياتي. تذكرت فيما بعد المقطع التالي من قصديته “إجازة قصيرة” التي تنبأ فيها يوم وفاته “يوم  السبت” وصدق في نبوءته

صدّقت أنّي متُّ يومَ السبت
قلتُ عليَّ أن أوصّي بشيءٍ ما
فلم أعثر على شيء
وقلتُ : عليّ أن أدعو صديقاً ما
لأخبره بأني مت
لكن لم أجد أحداً
وقلتُ : عليّ أن أمضي إلى قبري
لأملأه فلم أجد الطريق
وظلّ قبري خالياً منّي
وقلتُ / عليّ واجبً أن أؤدي واجبي
أن أكتبَ السطر الأخير على الظلال
فسال منها الماء فوق الحرف
قلتُ / عليّ أن آتي بفعل ٍ ما
هنا ، والآن
لكن لم أجد عملاً يليق بميّت
فصرختُ / هذا الموت لا معنى له
عبثٌ وفوضى في الحواس
ولن أصدّق أني قد متُّ موتاً كاملاً
فلربما أن بين بين
وربما أنا ميّت متقاعد
يقضي إجازته القصيرة في الحياة
(ديوان أثر الفراشة)

لا أذكر أني أحببت قصائد محمود درويش قبل عام 1999، تلك القصائد التي تحمل في غالبيتها روحا وطنية وتكتب عن الوجع الفلسطيني، رغم أني أحترمها جميعا، لكني أحببته حقا بعد كتابته لديوان الجدارية عام 1999، وهو الديوان الذي يحاور فيه درويش الموت، يتحدث إليه وجها لوجه، يفاوضه على البقاء هنيهات في الحياة، يرتب فيها نفسه استعدادا للرحيل

أَيُّها الموتُ انتظرني خارج الأرض
انتظرني في بلادِكَ ، ريثما أُنهي
حديثاً عابراً مَعَ ما تبقَّى من حياتي
قرب خيمتكَ ، انتظِرْني ريثما أُنهي
قراءةَ طَرْفَةَ بنِ العَبْد . يُغْريني
الوجوديّون باستنزاف كُلِّ هُنَيْهَةٍ
حريةً ، وعدالةً ، ونبيذَ آلهةٍ … /
فيا مَوْتُ ! انتظرني ريثما أُنهي
تدابيرَ الجنازة في الربيع الهَشّ ،
حيث وُلدتُ ، حيث سأمنع الخطباء
من تكرار ما قالوا عن البلد الحزين
وعن صُمُود التينِ والزيتونِ في وجه
الزمان وجيشِهِ . سأقول : صُبُّوني
بحرف النون ، حيث تَعُبُّ روحي
سورةُ الرحمن في القرآن . وامشوا
صامتين معي على خطوات أَجدادي
ووقع الناي في أَزلي . ولا
تَضَعُوا على قبري البنفسجَ ، فَهْوَ
زَهْرُ المُحْبَطين يُذَكِّرُ الموتى بموت
الحُبِّ قبل أَوانِهِ . وَضَعُوا على
التابوتِ سَبْعَ سنابلٍ خضراءَ إنْ
وُجِدَتْ ، وبَعْضَ شقائقِ النُعْمانِ إنْ
وُجِدَتْ . وإلاّ ، فاتركوا وَرْدَ
الكنائس للكنائس والعرائس /
أَيُّها الموت انتظر ! حتى أُعِدَّ حقيبتي

يرى البعض أن ديوان الجدارية قد جاء بعدما تعرّض محمود درويش مرارا لعمليات في القلب وكان يشعر أن الموت يدنو منه شيئا فشيئا. عندها تحولت قصائده من قصائد وطنية إلى قصائد إنسانية يتحدث فيها الشاعر الإنسان عن وجعه الذاتي، عن وحدته، عن خوفه، عن حيرته، عن ضياعه، عن حنينه وعذابه واشتياقه. وهي القصائد التي أبدع فيها درويش من حيث نظرته الفلسفية للحياة والشعر والعلاقات مع الآخرين. وهي القصائد التي ترك فيها وصايا ومقولات أصبحت فيما بعد شعارات لحياتنا مثل

على هذه الأرض ما يستحق الحياة. أنت منذ الآن أنت. ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا. لو كنت غيري لصرت أنا للمرة الثانية. هزمتك يا موت الفنون جميعها. هل في وسعي أن أختار أحلامي لئلا أحلم بما لا يتحقق؟ وأنت تعد فطورك فكر بغيرك لا تنس قوت الحمام

أرى أن ديوان الجدارية وما ينطلي عليه من فلسفة ووعي وجودي وحسي للإنسان كان نقطة تحول في شعر درويش ، سكب بعده أجمل ما فاضت به قريحته الشعرية

أرفق في الفيديو التالي بعض القصائد الجميلة لمحمود درويش: لاعب النرد، كماسوطرا، على هذه الأرض ما يستحق الحياة، والمقطع الأخير من الجدارية، بصوت الشاعر وفي الخلفية مقاطع موسيقية للثلاثي جبران: مسار، شجن ومجاز

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: