قشور ولباب

ya3soob

أقول لكم، وربما كان قولي قناعا يغشي وجه حقيقتي، أقول لكم ولنفسي: إن ما نراه بأعيننا ليس بأكثر من غمامة تحجب عنا ما يجب أن نشاهده ببصائرنا. وما نسمعه بآذاننا ليس إلا طنطنة تشوش ما يجب أن نستوعبه بقلوبنا. فإن رأينا شرطيا يقود رجلا إلى السجن فعلينا ألا نجزم في أيهما المجرم. وإن رأينا رجلا مضرجا بدمه وآخر مخضوب اليدين فمن الحصافة ألا نحتم في أيهما القاتل وأيهما القتيل. وإن سمعنا رجلا ينشد وآخر يندب فلنصبر ريثما نتثبت أيهما الطروب
جبران خليل جبران- القشور واللباب

يذكرني هذا المقطع لجبران بقصة سمعتها من مرشدة تربوية-نفسية عملت في إحدى المدارس، حدثتني إياها وكان لها وقع خاص علي
تقول المرشدة
كان هنالك طالبان في الصف الثاني عشر، كلاهما متفوقان وذوا سمعة طيبة. ومن المعروف بأن المدرسة تُعتبر من أفضل المدارس من حيث تفوقها العلمي وانضباط الطلاب وسلوكهم الطيب وجديتهم في الدراسة، بالإضافة إلى أن أهاليهم من طبقة المثقفين في البلدة، لذا اعتبرت المدرسة نسبيا مدرسة محترمة. كانت أهم القوانين الدستورية في المدرسة هو منع استعمال العنف بشتى أشكاله، فنادرا ما كانت تحدث أعمال من هذا القبيل
كان لأحد الطالبين المذكورين جندب صغير يرعاه في البيت ويهتم به كثيرا. كان الطالب يضعه في صندوق خاص ويحضر له الطعام المناسب وكان مهتما به إلى أقصى الحدود. ذات يوم قرر الطالب إحضار الجندب معه إلى المدرسة. قام خلال إستراحة الطعام بإخراج الصندوق وعرضه على زملائه في الصف. ضحك الطلاب كثيرا عندما رأوه لأن الأمر بدا لهم غريبا ونادرا، أيّ إنسان يحتفظ بجندب ويرعاه هذه الرعاية؟ قام أحد الطلاب بفتح الصندوق وأخرج الجندب بسرعة دون أن يلمحه زميله، ثم راح يركض في ردهات المدرسة معلنا أنه سوف يقوم بسحقه. ركض زملاؤه وراءه يضحكون ويسخرون وراح وراءهم صاحب الجندب يركض ويطلب منهم بشدة ألا يفعلوا به شيئا. لكن أحدا لم يهتم بطلبه. ظل الطالب الممسك بالجندب يركض ويهدد ضاحكا بأنه سوف يقطعه أو يسحقه على الأرض، والطالب الآخر يرجوه بأن يتركه ويعيده إليه. والطلاب وراءهما يهتفون ويضحكون متحمسين لما سوف يحدث، تحت إستماتة الطالب الثاني بإعادة الجندب إليه سالما. غير أن إستغاثاته لم تسعفه بشيء، فقد قام الطالب الأول برمي الجندب تحت قدميه وسحقه بنعليه سحقا
تألّم الطالب الثاني كثيرا لما حدث وغضب غضبا كبيرا فقام بلَكم زميله لكمة قاسية على وجهه أدمت أنفه. هرع الطاقم الدراسي على الفور لفحص ما جرى، فعلموا بأن أحد الطلاب اعتدى بيده على زميله. وبسرعة راحت أصابع الإتهام تتوجه إليه وتصفه بأنه طالب عنيف وأن تصرفه لا يليق بهذه المدرسة ولا بقوانينها وسوف يتم استدعاء أهله وفصله لبضع أيام من المدرسة
لم يهتم أحد من الطاقم الدراسي بسماع قصة الطالب الـ”معتدي”، إلا المرشدة التربوية-النفسية التي شعرت أن خلف “قشرة” الإعتداء هنالك نوع آخر من الإعتداء المسبق الذي حدث والذي أدى في نهاية المطاف إلى الإعتداء بالضرب. حين استمعت إلى قصة الطالبين أيقنت أنها كانت على حق وأن الإعتداء الذي ظهر نبع في الأساس من إعتداء سابق لم يلتفت إليه أحد. حتى لو بدا لنا أمر اهتمام الطالب بحشرة هو أمر لا وزن له، لكنه كان أمرا مهما جدا لدى الطالب نفسه
اجتمع بعض المسؤولين الإداريين في المدرسة بعد دعوة والدَي الطالبين، وكان والدا الطالب المعتدى عليه غاضبين جدا بسبب ما حدث لابنهما واصابته في أنفه، وطالبا بشدة بفصل الطالب المعتدي وعقابه. حين طُلب من المرشدة التربوية-النفسية إبداء رأيها في الأمر قالت: أنا أرى أنه قد حدث هنا إعتداءان، أحدهما لَكَم الآخر في وجهه والثاني لَكَمَه في قلبه. ولست أعلم أي منهما كانت لكمته أقسى
لم يتقبل أحد من الجالسين ما قالته المرشدة، وادعوا بأنه مهما يكن، لم يتوجب على الطالب لَكْم زميله في وجهه
وعليه فقد أقرت إدارة المدرسة فصل الطالب لبضع أيام عن دراسته

تعقيب
كثيرا ما تصلنا قصص العنف فقط عندما تنتهي القصة باستعمال العنف وليس قبل هذا. إذ أننا لا نفطن (وأنا منهم) إلى أن الحدث قد انتهى بالعنف ولم نلتفت إلى ما كان قبل هذا. وكثيرة هي قصص العنف النفسي الحاصلة والتي لا تجذب انتباه أحد لأنها لم تنته بعنف جسدي ظاهر. وإذا انتهت بذلك فإن قليلا منا يلتفت إلى لباب القصة ويعيره اهتماما ويعطي قيمة للعنف النفسي الذي مورس على “المعتدي” قبل أن يقوم بإعتدائه الظاهر للعيان
ويبقى سؤال عالق حول مسألة العقوبات: تُرى ما هي عقوبة المعتدي نفسيا على الآخر والتي لم تظهر آثار اعتدائه للعيان؟ وهل المعتدى عليه بريء مما حدث له؟

أحلام رحال- 22 شباط 2013

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: