تأملات صوفية في فلسفة كارل يونغ وجبران خليل جبران

431230_385883248151796_1960073958_n

عرفتُ بشرة الإنسان
ثم عرفتُ أن هنالك روح تحت بشرته
ثم بعد ذلك عرفت أن الروح في الحقيقة تقع فوق البشرة – جلال الدين الرومي

كتبتها: أحلام رحال

الصوفية وفقا للرؤية الإسلامية ليست مذهبا دينيا بحد ذاته، وإنما هي نمط حياة ديني ومنهج يسلكه المؤمن من أجل الوصول إلى الله، أي الوصول إلى معرفته والعلم به. يعتمد هذا المنهج بالأساس على تدريب الذات والعمل الباطني- الداخلي أكثر من العمل الظاهر، مثل تدريب النفس على الصبر والجَلَد والطهر والزهد والإحسان وتجنب المنهيات وحب الناس وحب الله. يعتقد المتصوفون أن النفس أصلها طاهر شريف، تلوثت بأدران المادة عندما حلت بالجسد وخضعت له، فاستغلها في أغراضه الحيوانية أسوأ استغلال، لذلك فإن النفس تأمل في التحرر من هذه العبودية واستعادة طهارتها السابقة وذلك بقهر الجسد وإذلاله وحرمانه رغباته. فإذا ما تم ذلك سمت النفس نحو الله واستمدت منه المعرفة الصحيحة وسلكت الطريق الحق (عن موقع الصوفية). ظهر المنهج الصوفي في القرن الثالث عشر الميلادي، وكان من أبرز متبعيه ومن نقل فكره وآثاره حتى يومنا كل من الحلاج، الإمام الغزالي والفيلسوف الإسلامي جلال الدين الرومي

مرّت الفلسفة الصوفية بعدة تحولات عبر التاريخ وعلى ضوء التأثر بالثقافات الشرقية المختلفة خلال “الفتوحات الإسلامية” والإختلاط بشعوب العالم، مثل الروم، الفرس والهنود والأفكار اليونانية والمسيحية. يرى البعض أن الصوفية بدأت كجز من الدين الإسلامي، يقوم من خلالها المرء بممارسة الشعائر الدينية برغبة أكثر، منتهجا طريق التقشف والترفع عن مغريات الحياة. بعد هذا أصبحت الصوفية فكرا وفلسفة اكثر من كونها معتقدات وطقوس دينية، فدخلت إليها بعض أفكار الثقافات المختلفة منها فكرة الحب الإلهي كسبيل للتخلص من الشر في الدنيا، وفكرة أن العالم بأجزائه المختلفة موجود في حالة نقصان وأن الله هو الكمال الكوني للعالم. كما وانتشرت الفكرة التي مفادها أن الله موجود في قلوب الناس: “فتش عن الله في قلبك فهناك عرشه”، وفكرة الفناء (النرفانا) والتي تعني الإتحاد عند النشوة بالذات الإلهية، كما قال الحلاج ذات نشوة : أنا الحق والحق أنا

قرأت فيما قبل كتابات العالم النفسي كارل يونغ وأدب جبران خليل جبران الفلسفي، ولاحظت بعد فترة من القراءات وجود بعض نقاط تماس وتشابه بين فلسفتهما والفلسفة الصوفية. سأسلط الضوء من خلال هذه السطور على التصورات الصوفية في فلسفة كل من كارل يونغ وجبران خليل جبران، وهو أمر لم أعتمد فيه على كتب أو آراء سابقة، إنما هي وجهة نظر شخصية ومحاولة ذاتية لتبيان التصورات الصوفية في فلسفتهما

كارل يونغ

أسس الفيلسوف النفسي التحليلي كارل يونغ نظريته اعتمادا على مراجعته للثقافات الإنسانية ولا سيما الشرقية منها بأفكارها ومعتقداتها، وربما ارتكز في الأساس على الثقافة الشرقية وتأثر بها كثيرا في أفكاره وتحليلاته حول البنية النفسية للإنسان. يرى يونغ أن الإنسان جزء لا يتجزأ من العالم الخارجي المحيط به، والذي لا يتكامل إلا بوجوده، فهو جزء من الكون المنسجم مع ذاته. ويرى يونغ أن هنالك تقارب ومقابَلة بين العالم الخارجي والعالم الداخلي للإنسان. إذ أن العالم الخارجي بثنائياته وتناقضاته عبارة عن إنعكاس لعالمنا النفسي الداخلي. على سبيل المثال فكرة الله والشيطان الموجودة في المعتقدات الدينية هي إنعكاس لفكرة الخير والشر في داخل كل منا وتصوير للمعركة الدائمة في نفوسنا بين هاتين القوتين. في هذا الخصوص قال جلال الدين الرومي: “عرفتُ الإنسان. عرفتُ بعد ذلك أن هناك أناس صالحون وأشرار. وبعد ذلك عرفتُ أن في كل إنسان هناك الصالح والشرير”. كما ويشير يونغ إلى ان وجود الجنسين الذكر والأنثى في العالم الخارجي هي أيضا مقابِلة لفكرة وجود الجانبين الأنثوي والذكري في داخل كل فرد منا. حيث أنه في داخل كل رجل جانب أنثوي غير أن الجانب الذكوري فيه بارز أكثر، وفي داخل كل أنثى جانب ذكري غير أن الجانب الأنثوي فيها بارز أكثر. على هذا النحو يرى يونغ أن الحالة النفسية للإنسان تجمع بين قطبين متناقضين: الذكر والأنثى، الخير والشر، النور والظلام، الحب والكراهية، الفرح والحزن، وإلى ذلك من تناقضات، لكن الإنسان يصل إلى درجة الشعور بالكمال حين يجمع بين هذه التناقضات ويعترف بوجودها، عندها يصل إلى الشعور بأنه كتلة واحدة أجزاؤها كاملة، فيكون أقرب ما يكون إلى الذات الإلهية التي هي الكمال في كل شيء

يعتقد يونغ من خلال هذه الفكرة بأن الإيمان عند الإنسان، وهو حاجة نفسية هامة، يهدف إلى إيصاله للشعور بالكمال وهو أسمى وأهم المشاعر لدى الإنسان. ويرى يونغ أن الله الذي نتحدث عنه على أنه موجود في العالم الخارجي والذي يعني لنا الكمال والمثالية هو موجود في داخل كل إنسان فينا وهو الدرجة العليا من الكمال الذي نبحث عنه في داخلنا. يحاول الإنسان من خلال الإيمان والتعبد والقيام بالطقوس الدينية الوصول إلى الله الذي في ذاته، أي الوصول إلى الكمال والسلام والمثالية، وعليه يقوم المؤمن بالطقوس الدينية من أجل التواصل مع الله في داخله والشعور بعد ذلك بالطمأنينة والسلام. يتواصل الإنسان مع ربه عن طريق الصلاة أو الدعاء والتعبد، ويكون التواصل في أحسن حالاته عندما ينقطع المرء عن العالم الخارجي ويتماهى بشكل كامل مع نفسه، يغمض عينيه وينصت إلى نفسه وإلى الصوت الإلهي في داخله.   كلما انقطع الإنسان عن مؤثرات العالم الخارجي أكثر وأصغى لنفسه، أي كلما كان خاشعا أكثر كلما اقترب من روح الله الموجودة في داخله وهذه أقصى مستويات التواصل السمو النفسي لدى الإنسان والتي أطلق عليها يونغ مصطلح التفرد – individualization

يرى يونغ أن الرقص الصوفي الدائري (المولوية) أو رقص الدراويش، والذي أسسه الفيلسوف الإسلامي جلال الدين الرومي، هو أحد الطقوس الدينية المتبعة من أجل التواصل مع الله، لكن ليس الله في العالم الخارجي بقدر ما هو الله الذي في نفوسنا. إذ أن الحركة الدائرية التي يقوم بها الراقص على أنغام الموسيقى تساعده على الإنقطاع عن العالم والتركيز مع نفسه. بحيث يبدا االراقص بالدوران حول نفسه لينتقل من الدوائر الخارجية في العالم الخارجي ليدخل في دوائر حلقية أقرب إلى نفسه، ثم إلى حلقة أخرى أقرب وحلقة أخرى أقرب وأقرب ثم أقرب إلى أن يصل حد التماهي مع الذات الإلهية وهي أبعد نقطة في داخله، والتي يكون فيها قد انفصل عن العالم تماما وصار مع نفسه والله فقط

جبران خليل جبران

كثيرا ما أرى تشابها وتقاربا بين فكر جبران خليل جبران، فلسفة يونغ والمنهج الصوفي. إذ أن كتابات جبران تحفل بالكثير من الروحانيات والتأملات الدينية والفكرية والتصورات حول عالم الإنسان النفسي وعلاقته بالله
كثيرا ما يتحدث جبران على أن الإنسان جزء من الكيان الحي والعالم الطبيعي والروحي حوله وأنه جزء من هذا الإنسجام المتكامل في الطبيعة. ويشير جبران إلى فكرة وجود الروح الإلهية في قلب كل إنسان إذا حث الخطى للوصول إليها، وفكرة وجود التناقضات النفسية في داخله وهي جزء لا يتجزأ من كيانه الشعوري ومن تكامله الذاتي، ويتحدث عن طقوس الصلاة الفضلى التي توصل إلى نقطة الكمال الروحي

فيما يلي مقاطع من كتابات جبران كأمثلة عما تحدثنا عنه سابقا. ففي نظرة جبران إلى النفس البشرية واتحادها بالذات الإلهية يقول ما يلي
إن ذاتكم الإلهية بحر عظيم، كانت نقية منذ الأزل وستظل نقية إلى آخر الدهور
وهي كالأثير لا ترفع إلا ذوي الأجنحة
أجل إن ذاتكم الألهية كالشمس
لا تعرف طرق المناجذ، ولا تعبأ بأوكار الأفاعي
غير أنها لا تقطن وحيدة في كيانكم
لأن كثيرا منكم لا يزال بشرا، وكثيرا غيره لم يصر بشرا بعد، بل هو مسخ لا صورة له يسير غافلا في الضباب وهو ينشد عهد يقظته
فلا أود أن أحدثكم الآن عن هذا الإنسان فيكم
لأن هذا الإنسان، دون ذاتكم الآلهية ودون المسخ الهائم في الضباب، هو الذي يعرف الجرائم والعقوبات على الجرائك في كيانكم
(الجرائم والعقوبات- كتاب النبي)

********

وفي حديثه عن التناقضات النفسية، يتحدث جبران عن الحزن والفرح قائلا
إنما فرحكم وحزنكم قد بات سافرا
>فالبئر التي منها يرشح فرحكم هي عين البئر التي طالما فاضت بدموعكم
فكلما أمعن الحزن حفرا في كيانكم اتسع المجال فيكم للفرح
أليس الناي الذي يشجوكم بألحانه عين الخشبة التي حفرت السكين أحشاءها؟
عندما تأخذكم سورة الفرح تطلعوا الى اعماق قلوبكم تجدوا ان الذي سبب لكم الفرح الآن هو عين الذي جاءكم منه الحزن فيما مضى
وعندما تطغى عليكم موجة من الحزن,فتشوا قلوبكم كذلك.وستدركون انكم تبكون في الواقع ذلك الذي كان مصدر بهجة لكم سابقا
يقول بعضكم (ان الفرح اعظم من الحزن) ويقول البعض الآخر(بل الحزن اعظم
ولكن فلتعلموا ان الاثنين لا ينفصلان
فهما يأتيان معا.وعندما يجلس احدهما الى مائدتكم,فلا تنسوا ان الآخر ينام في سريركم
انتم اشبه ما تكونون بين فرحكم وحزنكم بكفتي ميزان
فلا تستوي الكفتان وتستقران في حال واحدة الا اذا كانت فارغتين
وعندما يرفعكم حارس الخزينة ليزن مافيكم من ذهب وفضة,اذ ذاك لا بد من ان تشيل او تهبط كفة فرحكم او كفة حزنكم
(الحزن والفرح- كتاب النبي)

*********

وفيما يتعلق بالحياة الدينية والروحية، يتحدث جبران عن الصلاة قائلا
هل الصلاة غير اتساع ذاتك في الأثير الحي؟
إذا صليت فأنت ترتفعين بروحك لكي تجتمعي في تلك الساعة بأرواح المصلين، الذين لا تستطيعين أن تجتمعي بهم بغير الصلاة
لذلك فلتكن زيارتك لذلك الهيكل غير المنتظر مدعاة للهُيام السماوي والشركة الروحية السعيدة
لذلك إذا دخلت الهيكل ولا غاية لك سوى السؤال فإنك لن تنالي شيئا
وإن دخلت الهيكل لكي تظهري وفرة اتضاعتك وخشوعك فإنك لن تنالي شيئا
وإن دخلت الهيكل وأنت ترجين أن تلتمسي خيرا لغيرك من الناس فإنك لن تجابي إلى سؤالك
لأنه يكفيك أن تدخلي الهيكل من غير أن يراك أحد
(الصلاة- كتاب النبي)

********

وفي مواضع أخرى نرى أن جبران يؤمن بأهمية التدريب النفسي وتقوية الذات على مواجهة الألم وتحمّله وتدعيم الصبر عند الإنسان، الأمر المتبع في المنهج الصوفي. على سبيل المثال يقول جبران
الألم هو انشقاق القشرة التي تغلف إدراككم
وكما يتحتم على النواة أن تنفلق كيما يبدو قلبها للشمس، كذلك يتحتم عليكم ان تعرفوا الألم
فلو كان لقلوبكم التي لا تبرحها الدهشة من عجائب الحياة التي تكتنفكم في كل يوم لدهشتم للألم دهشتكم للفرح، ولتقبلتم فصول قلوبكم بمثل الرضى الذي مابرحتم تتقبلون به فصول الحقول
ولأقمتم في شتاء أحزانكم تترقبون بطمأنينة قدوم الربي
إنكم تختارون الكثير من آلام
وآلامكم هي الدواء المر الذي يصفه الطبيب فيكم لأنفسكم المريضة
لذلك عليكم ان تثقوا بطبيبكم، وأن تجرعوا الدواء الذي عده لكم ساكتين وهادئين
لأن يده، وإن بدت ثقيلة وقاسية، فإنما تطاوع في ما تعمل يد القدرة التي لا تدرك ولا تبصر
(الألم- كتاب النبي)

وختامها موسيقى

حتى يكون ختامها مسك، لا يخفى على أحد أهمية الموسيقى في شعر جبران خليل جبران، ولعلّ أهم قصائده هي قصيدة الناي التي غنتها فيروز: أعطني الناي وغن فالغنا سر الوجود وأنين الناي يبقى بعد أن يفنى الوجود
كما أن المنهج الصوفي يتميز كثيرا بمركزية الموسيقى فيه، إذ ركز جلال الدين الرومي الضوء على أهمية الموسيقى والإنصات إليها خلال القيام بالرقص الدوراني (المولوي) كجزء من الصلاة الروحية والتواصل مع الذات الإلهية، وهو ما أسماه (السمع). 
ومن الموسيقيين المعاصرين الذين أبرزوا الموسيقى الصوفية هو عمر فاروق تكبيلاك- موسيقار تركي. إذ تجمع موسيقاه بين الصوفية والروحانية والرومانسية والخيال

أحد الأعمال الموسيقية الصوفية التي قام بها تكبيلاك هي مقطوعة “دوران الدراويش”، يمكن الإستماع إليها على الفيديو التالي

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: