أزمة الهوية الإجتماعية والقومية لدى الفلسطينيين سُكّان الأراضي المحتلة

مفتاح العودة

كتبتها: أحلام رحال

لا شك في أن القضية الفلسطينية هي إحدى القضايا الشائكة أو التي جُعلت رغما عنها شائكة. وأعتقد بشكل شبه جارف بأن أزمة الهوية لدى الفلسطينيين سكان المناطق المحتلة (سكان إسرائيل) هي أيضا من القضايا الشائكة جدا بين أوساط شعوب العالم

تُعرَّف الهوية الشخصية على أنها ما يراه الفرد وما يعتقده عن نفسه. هي نطرته، معتقداته، أفكاره الشخصية والصفات والسمات التي تميز شخصيته عن الآخرين. أما الهوية الإجتماعية، فهي عبارة عن الموروث الإجتماعي المشترك لفئة إجتماعية ما، وهي تتكون من الملامح الأساسية التالية: اللغة التي تتحدث بها هذه الفئة الإجتماعية، أفكارها، معتقداتها الإجتماعية، تاريخها المشترك، العادات والتقاليد، الديانة/ات، والتراث الإجتماعي المشترك لها

للهوية الشخصية والهوية الإجتماعية تأثير إيجابي على بنية شخصية الفرد وعلى تقديره الذاتي لنفسه. كلما كانت هويته الشخصية والإجتماعية واضحة المعالم، كان تقديره الذاتي ونظرته لنفسه أفضل

كانت ولا تزال قضية الهوية الإجتماعية والقومية لدى الفلسطيين سُكّان إسرائيل، من القضايا المثيرة لاهتمامي وتساؤلاتي. وهي تظهر واضحة جلية في تعدد التسميات لهذه الفئة الإجتماعية، إذ يُطلق عليهم: فلسطينيو الداخل، عرب الـ 48، عرب إسرائيل، فلسطينيو إسرائيل، الفلسطينيون مواطنو إسرائيل، الفلسطينيون سكان إسرائيل، الفلسطينيون سكان الأراضي المحتلة، وغيرها من الأسماء. ولا شك في أن تعدد التسميات تُظهر عدم وضوح الملامح المميزة لهذه الفئة الإجتماعية وعدم تأطيرها داخل إطار إجتماعي وقومي محدد. كما وقد تُظهر الصدع (الشيزوفرينيا) في بنية الهوية الإجتماعية والقومية للفلسطينيين سُكان الأراضي المحتلة

عن أزمة الهوية الإجتماعية والقومية لدى الفلسطينيين سكان الأراضي المحتلة

يعود سبب إثارة هذا الموضوع، إلى شعوري الدائم بالإنسلاخ الموجود في صفوف الشعب الفلسطيني عامة. منهم من هُجّر من البلاد ولجأ إلى بلدان عربية مجاورة كالأردن، لبنان وسوريا، منهم من هُجر ولجأ إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، والفئة الأخيرة هي من لم يُهجّر ولم يخرج من بلاده، أو هُجر من بلدته التي عاش بها ولجأ إلى إحدى البلدات الفلسطينية المجاورة لبلدته، والتي وقعت أخيرا تحت سيطرة الإحتلال الإسرائيلي عام 1948، مثلا: هُجّر من صفد ولجأ إلى حيفا. وهذه الفئة الأخيرة هم الفلسطينيون سكان الأراضي المحتلة. هذا الإنسلاخ بين فئات الشعب الفلسطيني واندماج كل فئة منهم في شريحة إجتماعية مختلفة، من الممكن أن يؤثر على مبنى الهوية الإجتماعية والقومية لكل واحدة منهن على الرغم من التاريخ المشترك لهم جميعا. مثلا اللاجئون في الأردن قد يختلفون في عاداتهم وتقاليدهم عن اللاجئين في لبنان أو سوريا، وذلك بفضل اختلاطهم واندماجهم بالعرب سكان هذه البلدان وتأثرهم بثقافتهم الإجتماعية. وكمثل الفلسطيينيين سكان الأراضي المحتلة الذين أمضوا ما يقارب الـ 65 عاما تحت السيطرة والإحتلال الإسرائيلي لهم ولأراضيهم. على ضوء هذا يُثار التساؤل حول بنية الهوية الإجتماعية والقومية لدى الفلسطينيين سكان إسرائيل، وخاصة في ظل فرض السمات الإجتماعية الإسرائيلية: مثل اللغة العبرية والعادات والتقاليد، وتهميش السمات الإجتماعية الفلسطينية. وفي ظل إدارة الحكومة الإسرائيلية لمعظم مناحي الحياة الإجتماعية والسياسية لهم، دون وجود حكم قومي مستقل لديهم، التعتيم الدائم على الموروث الإجتماعي والسياسي للفلسطينيين: مثل منع الحديث عن تاريخ النكبة في المؤسسات التربوية العربية، وعدم تعليم طلاب المدارس العرب شعر المقاومة ومعظم القصائد الوطنية والفلسطينية الأخرى، إضافة إلى المحاولات الدائمة للحكومة الإسرائيلية للإقلال من شأن العرب والفلسطينيين وتصويرهم على أنهم شعب متخلف ورجعي. في ظل هذه الظروف يتبادر السؤال إذا ما كان هنالك تأثير على الهوية الإجتماعية والقومية لدى الفلسطينيين سكان البلاد المحتلة

بحث ميداني حول الهوية الإجتماعية والقومية لأبناء الشبيبة الفلسطينيين سكان الأراضي المحتلة

دفعتني هذه التساؤلات إلى إجراء بحث ميداني، قدمته كأطروحة للماجستير، لبحث تأثير أغاني المقاومة على ملامح الهوية الإجتماعية والقومية والشعور بالإنتماء الإجتماعي في أوساط أبناء الشبيبة الفلسطينيين سكان الأراضي المحتلة – إسرائيل)

إختياري لشريحة أبناء الشبيبة المراهقين كنموذج للبحث جاء لعدة أسباب. أحدهم أن أبناء الشبيبة هم الجيل اليافع حاليا والذي مضى عليه ما يقارب 65 عاما بعد الإحتلال، الأمر الذي قد يُظهر خلاصة تأثير 3 أجيال متعاقبة على تشكيل هويته الإجتماعية والقومية، وأحد الأسباب الأخرى هو اعتبار جيل المراهقة جيل هام في تشكيل الهوية الإجتماعية، بحيث يعيش فيه الكثيرون ربما تخبطات وتساؤلات حول تحديد الملامح الواضحة لهويتهم الشخصية والإجتماعية

قمت بإجراء “تلاعبات” في البحث، بحيث أدخلت 4 أنواع من الأغاني بهدف فحص تأثير الأغاني على الهوية الإجتماعية والإنتماء الإجتماعي، بحيث قسمت مجموعات الشباب إلى 4 مجموعات على النحو التالي: مجموعة أولى تستمع إلى أغاني وطنية فيها روح المقاومة (مارسيل خليفة، أحمد قعبور، النشيد الوطني الفلسطيني موطني موطني)، مجموعة ثانية تستمع إلى أغاني حب: (إليسا، عمرو دياب، وائل كفوري)، مجموعة ثالثة تستمع إلى أغاني أوروبية وأمريكية (ليدي غاغا، كريستينا اغيليرا) ومجموعة أخيرة لا تستمع إلى أي نوع من الأغاني أبدا. كان الهدف من هذا التقسيم هو فحص فرضيتي بأن الإستماع إلى الأغاني الوطنية سيرجح كفة الشعور بالإنتماء الإجتماعي إلى الهوية الفلسطينية أكثر. وإذا ما تحققت من هذه النتيجة فإننا سنفهم بأن المحاولات الدائمة للحكومة الإسرائيلية في منع الفلسطينيين سكان البلاد المحتلة من دراسة قصائد المقاومة أو الإطلاع على تاريخهم الفلسطيني والتعتيم الدائم على ملامحهم الثقافية، هو من الأسباب التي تدفع بالكثير من الشباب إلى الضياع في تحديد هويتهم الإجتماعية والقومية والتقليل من شعورهم بالإنتماء إلى الهوية الفلسطينية

أظهرت النتائج بشكل شبه جارف وبشكل مثير للإهتمام بأنه لم يتواجد تأثير واضح لنوع الأغاني على الهوية الإجتماعية والقومية لأبناء الشبيبة، وإنما قام معظم المشاركين في البحث، وبغض النظر عن الأغاني التي إستمعوا إليها، باعتبار أنفسهم فلسطينيين بشكل كامل، لديهم الشعور الواضح والإعتزاز الكبير كونهم فلسطينيي الأصل والتاريخ، ومنكرين بشكل قاطع انتسابهم إلى الهوية الإسرائيلية أو اليهودية رغم أنهم يحملون بطاقة الهوية وجواز سفر إسرائيلي

لم اتوقع الحصول على هذه النتيجة الجارفة، التي تنفي العديد من الإدعاءات والآراء التي كتبها مفكرون فلسطينيون ويهود يدعون وجود بلبلة وعدم وضوح في ملامح الهوية الإجتماعية للشعب الفلسطيني سكان البلاد المحتلة. ولكن من ناحية أخرى وجدت أن النتيجة معقولة، إذ أنه بعد 65 عاما من التهجير والتهميش والعيش في بلاد يسكنونها ولا يملكونها، من الممكن جدا أن تتطور لديهم الحاجة للحفاظ على شيء واحد على الأقل، لا يمكن للحكومات أخذه، وهو الموروث الإجتماعي والقومي لديهم، والشعور بالإنتماء إلى الوطن

على أنه لا زالت لدي بعض التحفظات من البحث، وأرى ضرورة لتكرار البحث مع شرائح سكانية أخرى، لا سيما هؤلاء الذين يعيشون في بلدات مختلطة يحيا فيها العرب واليهود سوية داخل البلاد

بعد إنهاء البحث والتوصل إلى هذه الإستنتاجات، تساءلت حول نظرة العرب في باقي البلدان العربية ونظرة بقية أفراد الشعب الفلسطيني من المهجرين في العالم والمهجرين في الضفة الغربية والقطاع، إلى الفلسطينيين سكان البلاد المحتلة، هل يعتبرونهم أيضا فلسطينيين؟
بعض الآراء التي أعرفها، والمُزعجة لي شخصيا، هي تلك التي تدعي أن الفلسطينيين سكان البلاد المحتلة هم خوَنة، لأنهم بقيوا تحت الحكم الإسرائيلي وحصلوا على الجنسية الإسرائيلية. وهنالك عرب آخرون لا يعرفون أصلا بأن إسرائيل فيها عرب فلسطينيون. هذا إلى جانب عدم وجود ممثلين عن الفلسطينيين سكان البلاد المحتلة داخل جامعة الدول العربية. في هذه الحالة تقع هذه الفئة الإجتماعية بين مطرقة أقرانهم العرب الذين لا يعترفون بهم، وسندان الحكومة الإسرائيلية المستمرة في تهميشهم

يبدو للبعض ربما أن الفلسطينيين سكان البلاد المحتلة هم فئة إجتماعية بلا هوية وبلا وطن، ويبدو للآخرين أنهم مواطنين إسرائيليين نظرا لحملهم الجنسية الإسرائيلية، ولكن الكثيرين منهم، على الأقل معظم من اشترك في البحث المذكور، يعرفون جيدا أنهم فلسطينيون بشكل كامل ولديهم الشعور الكامل بالإنتماء إلى الهوية الفلسطينية رغم حصولهم على الجنسية الإسرائيلية المفروضة عليهم. على الرغم من هذا تبقى بعض الأسئلة العالقة: هل هنالك تناقض بين الحصول على الجنسية “المدنية” التي يحملها المواطن وبين انتمائه الوطني والإجتماعي؟ هل كان على الفلسطينيين سكان البلاد المحتلة الخروج من بلادهم وقت التهجير واللحاق بأقرانهم حاملين مفاتيح العودة؟ هل كان عليهم التمسك بالمكان والجذور وعدم الخروج من بلادهم رغم كل ما سيُفرض عليهم لاحقا؟ هل كان عليهم عدم الموافقة على الحصول على الجنسية الإسرائيلية؟ كيف كانوا سينالون أبسط حقوقهم المدنية لو رفضوا المواطنة وبقيوا فقط في البلاد؟ أم كانت هنالك حلول أخرى لم يرها الشعب أجمع في ظل انشغالهم بالنجاة من القتل والتهجير؟

الأسئلة تتسع.. والتعليلات كثيرة. يُسعدني الإستماع إلى أي جواب أو أي تعقيب سيُطرح حول الموضوع

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: