جفــرا

تأليف: أحلام رحال

shamoot

ما زلت أذكر شجارنا أنا وأمك على هذا الاسم: “جــــــفرا”. لم يكن يروقها.. أرادته اسما عصريا. وأردته أنا اسما للجذور. أبيت أن أغيره.. أبيت أن أمحوه من شهادة ميلادك. ألا يكفي أنهم محوا أسماء مدننا وقرانا؟ هل سيمحون أسماء أبنائنا أيضا ؟

مثل أزهار البرتقال كنت أراك تكبرين، تلبسين ثوب الأرض وتشقّين طـريق الحيــاة. تشمخين عاليا كشجرة زيتون تركناها عند مدخل القرية

سمراء كلون الأرض. قاسية الملامح، كوجوهنا حين غادرناها

كنتُ فخورا بك. أراك، فأشم رائحة الموانئ البعيدة. أناديك، فأذكر أهزوجة غنّاها صديق قبل أن يرحل

اليوم أراك تكبرين، تركضين على دروب الزمن، تسابقين العمر وتبتعدين. تنسلخين عن الذاكرة

أفكارك وأحاديثك الغريبة باتت تقلقني.. تثير أسئلتي. بتّ ألحظ الفجوة بين عالمي وعالمك

أراك تتمردين، ترفضين أن تكوني امتدادا للماضي. تريدين قدرا آخر

يقولون إن هذا الزمن لم يعد زمننا. لم يعد زمن الجذور والقضايا الوطنية. ربما وحدي أعيش “يوم الأرض” ومظاهرات الشعب الغاضب. وأنتم تكبرون، ترون الحياة مثلما شئتم. وربما مثلما شاءوا لكم !!

لا لا.. لا يعقل.

هل استطاعوا حقا تغييركم؟ هل وصلنا الحد الفاصل بين الوطن و الـ …. “وطن”؟

“جـــــفرا”.. يا ابنة التراب. تخرجين من صمتك وتركضين إليّ. تشهرين في وجهي بطاقة هويتك، تصرين على تغيير اسمك فيها. أنت أيضا لم يعد يعجبك اسمك؟

****

ها هي تطلق ساقيها للريح وتركض. تسابق ظلها إلى هناك. لا تطالها كلماتي فتردعها. لا تسعفها أقاصيص جدتها، أو بندقية معلّقة، ورثتها أيادٍ حالمة

أركض خلفها.. أحاول أن أستجدي ما تبقى من كلمات. أمدّ يدي.. أصـرخ.. أحاول الإمساك بثوبـها..

لكنها سريعة.. سريعة جدا

ندخل سراديب البركان. ما أسهل الوصول إلى هنا يا إبنتي.. لا أحد يوقفنا ويمنعنا من الدخول. لا شرطة تفتشنا عند المداخل وتعرقل طريقنا..الأبواب تنفتح أمامنا، وأنت تتقدمين كالسهم

نجلس متواجهين في قاعة الإنتظار.. كلانا صامتان. وكلانا غارقان في أسئلة. ربما وجدت هي أجوبة لم استطع إيجادها أنا. وربما كنت مخطئا، وكانت هي وأمها على صواب

هل صارت الذكرى صليبا نحمله على ظهرنا ونسير؟

يقطع هذياني صوت موظف أجش ينادي من بعيد

ننهض من مقعدينا. نذهب إليه. يسأل: “ماذا تريدان؟” أخاله يسمع دقات قلبي. ويرى الحزن النامي من عيني. يعيد السؤال مرة أخرى بصوت كالصدى

تنظر ابنتي إلي. أنظر إليها. يرين الصمت بيننا. تطلّ من عينيها حيرة رهيبة، يختفي المكان حولنا.. لا أرى شيئا غيرنـا.. أنا، هي والضيــاع

1 Comment (+add yours?)

  1. Magdalena
    Feb 25, 2013 @ 16:58:20

    I constantly spent my half an hour to read this weblog’s articles or reviews every day along with a mug of coffee.

    Reply

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: