أسطورة سيزيف وعبثية الحياة

sisyphe

كتبتها: أحلام رحال

قمت بكتابة المقال التالي قبل قرابة عامين (تشرين الأول 2010)، مسجلة فيه خواطري وأفكاري حول أسطورة سيزيف. نقلت المقال هنا، وكنت في صدد تغيير بعض الأفكار، إلا أنني قررت أن أبقي ما كنت قد كتبته قبل عامين، ثم أضيف فيما بعد ما لديّ اليوم من ملاحظات وأفكار أخرى تثيرها في هذه الأسطورة.

تشرين الأول 2010

تحكي الميثولوجيا الإغريقية أن سيزيف كان رجلا ذكيا وماكرا جدا، حيث استطاع أن يخدع إله الموت ثانتوس حين طلب منه أن يجرب الأصفاد والأقفال، وحين جربها إله الموت قام سيزيف بتكبيله، وحين كبل سيزيف إله الموت منع بذلك الناس أن تموت. أغضب هذا الأمر الآلهة زيوس فأصدر عليه حكما بأن يعيش حياة أبدية، يمارس فيها مهمة شاقة، هي أن يحمل صخرة من أسفل الجبل إلى أعلاه، فإذا وصل القمة تدحرجت الصخرة إلى الوادي، فيعود سيزيف الى رفعها ثانية إلى القمة لتتدحرج من جديد، ويظل يقوم بهذه المهمة إلى ما لا نهاية.

يستحضر الكاتب الفرنسي كامو أسطورة سيزيف ويبني عليها مقالا فلسفيا وجوديا يتحدث فيه عن عبثية الحيـاة. يرى كامو أن حياتنا تشبه حياة سيزيف، نستطيع أن نراها أنها غير مجدية ولا معنى لها. ما معنى أن يقوم سيزيف بنفس المهمة كل يوم ولا يصل إلى نتيجة؟ يتساءل كامو: ما معنى أن نحيا في هذه الدنيا؟ ما جدوى وجودنا في عالم محكوم بالزوال؟ ما جدوى أن نعمل؟ ما جدوى أن نأتي للحياة ثم نموت؟ وما معنى أن نؤمن بمعتقدات وأفكار في عالم لا توجد فيه حقائق مطلقة؟

حين أفكر في قصة سيزيف، تختلج في خاطري أسئلة كثيرة.. إلى أي مدى حياتنا سيزيفية؟ هل كل ما نفعله في هذه الدنيا عبثي ولا معنى له؟ إننا نعمل ونجهد ونقاوم ونتحدى ونتقدم باحثين عن العلا وقد نموت من أجل فكرة أو معتقد ما.. ولكن هل هنالك معنى لكل هذا؟ يذكرني هذا الأمر بكلام المعري، حين طلب أن يُكتب على شاهد قبره: هذا ما جناه أبي عليّ ولم أجنِ على أحد! شاعر مرموق ومن كبار الشعراء، يرى أن وجوده في هذه الدنيا عبثي، لا معنى له، رغم كل كلمة وكل سطر خطته أنامله وتناقلته الشعوب على مر التاريخ. قال اريك فروم في أحد كتبه، إن مأساة الإنسان تكمن في أنه يأتي الى الحياة دون أن يستأذنه أحد.. يعيش فيها، يعمل، يكد وربما يبني قصورا.. ثم يغادر الحياة فجأة، وأيضا دون أن يستأذنه أحد

تُرى.. هل حياتنا حقا عبثية؟

ترى الفلسفة الوجودية أن أهم ركن في الحياة هو البحـث عن معنـى لوجودنا. أن نجد معنـى لحياتنا، معنى لتفاصيل كل شيء فيها. حتى لو كان كل ما نفعله زائل ولن يقدم او يؤخر شيئا. هذا الاعتقاد (برأيي) هو ما دفع كامو الى طرح السؤال التالي: هل العقاب الذي ناله سيزيف يعطيه الحق بأن يضع حدا لحياته؟ ما يعني: هل يحق لكل إنسان تحاصره مغبات الحياة ولا يجد طعما او جدوى من حياته، هل يحق له أن يضع حدا لها؟

أعتقد أن أسطورة سيزيف لا تعكس مأساة الإنسان في عبثية الحياة بقدر ما تصور تحديه وكفاحه المستمر. كان باستطاعة سيزيف ان يضع حدا لحياته وان ينهي هذا العقاب الأبدي. لكنه اختار ان يتحدى قدره وان يستمر في هذه المهمة. ربما لأنه وجد معنى لهذه المهمة او وجد متعة فيها. الأمر الذي يقودني أيضا إلى الكاتب الروسي (الوجودي) دويستوفسكي الذي قال في كتابه “الانسان الصرصار”، إن هنالك متعة في الألم ونشوة في الشعور أنك في الحضيض! أي أن “أسوأ” الأشياء يمكننا أن نجد فيها مغزى وأن نعطي لها معنى. بدل أن تهزمنا يمكننا أن نتماهى معها ونحس بقيمة وجودها

كامو، فروم، ومثلهم كتاب وفلاسفة آخرين، يرون أنه ليس مهما أن نصل الى هدف محدد في حياتنا. الحياة هي ذاتها الهدف. علينا أن نعطي قيمة عليا ومعنى لكل شيء نصنعه، حتى ولو كان كريها وحتى لو بدا لنا أنه عبثي ولا جدوى منه. علينا أن نعيش تفاصيل كل خطوة نخطوها، دون أن نفكر إلي أي هدف تقودنا وأي قمة سنصلها بعد ذلك

إعطاء القيمة لكل خطوة والتماهي مع كل عمل نقوم به والشعور بأن مشوار حياتنا هو الهدف بعينه، ذاك هو الوقود الذي يزودنا بالقدرة على البقاء والاستمرار ودحرجة صخرة واقعنا الى ما لا نهاية

كانون الثاني 2013

اليوم لم تختلف رؤيتي كثيرا عن السابق، غير أنني بت أعطي اهتماما أقل لمفهوم العبثية ولفكرتي الأبدية والزوال في أسطورة سيزيف، وتثيرني أكثر مسألة إعطاء المعنى والأهمية لتفاصيل حياتنا وبناء واقع جديد بأنفسنا. أُدرك أن كل شيء نستطيع أن نمنحه المعنى الخاص به حتى ولو كان في نظر الآخرين غير ذي معنى. هذا ما ذكرته سريعا في نهاية المقال السابق. لكن هذا المعنى الآخر من شأنه أن يبني واقعنا من جديد وأن نُحكم سيطرتنا على بعض تفاصيل حياتنا. إن الصخرة التي يدحرجها سيزيف طيلة الوقت ثم تسقط منه عند المنحدر ثم يعود لدحرجتها من جديد، قد لا يكون لهذه المهمة نفع في نظر البعض، ولكنها قد تكون بنظر سيزيف ذات أهمية كبيرة، شرط أن يقرر هو كيف يتعامل معها وأي معنى يعطيها وكيف سيبني واقعه من خلالها رغم العقاب الأبدي الذي حُكم عليه. وهذا ما سوف أتطرق إليه اليوم

حياتنا تشبه مهمة سيزيف، بمثل ما يقوم سيزيف بنفس المهمة اللولبية كل يوم، نحن بشكل عام نقوم بنفس الأعمال كل يوم، دورة الحياة لدينا متشابهة: نهار وليل، فطور، غداء وعشاء، نعمل في الصباح ونعود بعد الظهر ونقوم بباقي برامجنا بعد العمل. حافلة المدرسة تأتي كل صباح لصطحاب الأطفال، تمتلئ الشوارع بعد الظهر بالطلاب العائدين من المدارس، نعود إلى منازلنا ونقوم بالأعمال المنزلية “الروتينية”. دورة الحياة والأيام وأحداثها متشابهة كثيرا، بمثل الصخرة التي تصعد إلى قمة الجبل ثم تعود وتتدحرج منه. لكن هذه الأمور هي تفاصيل عامة، وهي التفاصيل التي لا يمكننا التلاعب بها، هي فرض فُرض علينا، كمهمة سيزيف بالضبط، لا يمكننا الخروج من هذا الإطار العام: دورة العمل، دورة الأيام، دورة الدراسة، دورة تربية الأولاد ورعايتهم، كلها تدور وتتحرك بشكل دائري يعود على نفسه. ولكن ما يجعل من هذه الدورات مختلفة ولا يعطي لها صفة اللا جدوى هو قرارنا بالتلاعب بالتفاصيل الصغيرة.. الصغيرة جدا

صحيح أننا نعيش داخل أطر يصعب أحيانا تغييرها، لكنه لدينا القدرة على اختيار تغيير بعض التفاصيل الصغيرة. قد نبدأ برنامج عملنا في وقت محدد، ونعمل ربما نفس المهام، ونلتقي نفس الأشخاص في مكتبنا، ونخرج من العمل في نفس الوقت ونمر من نفس الطريق، ولكن يمكننا أن نقرر مثلا عند المحادثة مع أحد زملائنا في العمل أن نصغي إليه هذه المرة جيدا ونتحدث إليه بعمق، قد نكتشف جوانب جديدة لدى هذا الزميل لم نعرفها من قبل. ربما نقرر أن نغير نمط عملنا أو طريقة تعاملنا مع الآخر. قد نقرر أنه عند عودتنا من العمل نمر على الأولاد في المدرسة ونصطحبهم بأنفسنا بدل الحافلة، وبدل العودة إلى البيت لمزاولة المهام الروتينية، نقرر أن نجلس مع أولادنا في مقهى خارج المنزل وأن نكسب الوقت لإجراء محادثة ودية بيننا. قد تكون هنالك إمكانيات وأمثلة كثيرة للتعامل مع التفاصيل الصغيرة في حياتنا، وهي في كل الأحوال قد تكشف لنا جوانب أخرى ما كنا لنعرفها لو بقينا داخل الإطار العام لمجريات الحياة

أرى أن مهمة سيزيف ليست بالمهمة السهلة إذا ما نظرنا إلى إطارها العام، إنه لا يستطيع الهروب منها، ولا يستطيع التحكم بها، ولكنه يستطيع التحكم في كيفية تعامله مع الصخرة التي يدحرجها دوما، ورؤية التفاصيل التي تحدث حوله أثناء دحرجته للصخرة، يمكنه أيضا أن يقرر دحرجة الصخرة بشكل آخر. يمكنه أن يحطمها ويفككها إلى أحجار صغيرة ويصنع منها شيئا ما

الأسطورة تثير فيّ هواجس أكثر.. لا أريد أن أتشعب بها، سأكتفي بهذا القدر من الملاحظات، وربما أعود وأتطرق إلى جوانب أخرى حول أسطورتنا السيزيفية

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: