إضاءات على رواية عزازيل

3azazeel (1)

قراءة: أحلام رحال


عزازيل، للكاتب يوسف زيدان، هي آخر رواية قرأتها وآخر رواية أدهشتني

قال محمود درويش في إحدى قصائده، فكرة مضمونها أنه لا يوجد شيء جميل، وإنما نحن من نعطيه صفة الجمال، لأنه انعكاس لرؤيتنا الشخصية لهذا الشيء وتصوير للوتر الذي يضرب عليه هذا الشيء

رواية عزازيل، تجمع بين الأسلوب الأدبي التقني الذكي، وبين الروح الإبداعية والشفافة لدى الكاتب، بدءا من “احتياله” على القارئ بادعائه أن الرواية هي ترجمة لرواية حقيقية كتبها راهب في القرن الرابع الميلادي باللغة السريانية، ثم أخفاها في صندوق خشبي وتم الكشف عن الصندوق مؤخرا، مرورا بجمالية تجسيده لأفكار القصة وأحداثها، وانتهاء بالروح الثورية الناقدة التي تحلى بها الراوي ووضع علامات السؤال الكثيرة على تاريخ حفظناه دون أن نتأكد من حقيقته

تحكي الرواية قصة راهب مصري يدعى هيبا، ذهب إلى الإسكندرية قاصدا دراسة مهنة الطب، وكان في حيرة من أمره هل يدرس حقا الطب أم يكرس حياته للرهبنة والتعبد والتقدم في الرتب الدينية؟ أثناء وجوده في مدينة الإسكندرية عايَش الراهب حياة فريقين خصمين في المدينة: أتباع الكنيسة المرقسية وأتباع الفكر المتنوّر ممن يسمون “الوثنيون”، حيث كانت الأجواء مشحونة بينهما. كانت العالمة والفيسلوفة الشهيرة هيباتيا واحدة الـ “وثنيين”، وكان الراهب هيبا عاشقا لفكرها ومكانتها المرموقة. غير أن حادثة قتلها على أيدي أتباع الكنيسة أمام عيني هيبا، وتحت شعار نشر الديانة المسيحية وتنقيتها من الوثنيين، كان لها الأثر الكبير في تغيير وجهة نظر هيبا في الحياة الكنسية والعقلية الدينية

تسرد الرواية بشكل قصصي جذاب تفاصيل الإختلاف العقائدي الذي ظهر بعد منتصف القرن الرابع الميلادي بين أنصار الكنيسة المرقسية في الإسكندرية و”النساطرة ” من أتباع رجل الدين “نسطور”، وهو اختلاف عقائدي معروف في تاريخ الديانة المسيحية حول طبيعة السيد المسيح أو الأقنوم. إذ يدعي الطرف الأول بأن الله تجسد في المسيح وأنه مولود من امرأة وأن مريم العذراء هي أم الله، بينما الطرف الثاني لا يقبل هذه الرؤية، بل يجد أن الله أكبر من أن يتجسد في إنسان، لا يمكن لله أن يتصرف كباقي البشر، لذا فإن المسيح هو رسول من عند الله والله يبقى مكانه في السماء لا يمكن أن يتجسد في أحد

لم يلفت نظري هذا السرد الجميل للأحداث التاريخية المعروفة التي وردت على لسان وتجربة هيبا، بقدر ما لفت نظري جو المونولوجيا (الحوار الداخلي) الذي ساد أجواء الرواية، كحديث الراوي مع “عزازيل” -الشيطان الذي في داخله على هذا النحو:

 هل خلق الله الإنسان أم العكس؟ –  

 ماذا تقصد؟- 

 يا هيبا الإنسان في كل عصر يخلق إلها له على هواه فإلهه دوما رؤاه وأحلامه المستحيلة ومناه

 كُف عن هذا الكلام، فأنت تعرف مكانك من الله، فلا تذكره-

أنا مذكور يا هيبا، ما دام هو مذكور-

وفي مكان آخر يقول عزازيل: إن الله محتجب في ذواتنا، والإنسان عاجز عن الغوص لإدراكه! ولما ظن البعض في الزمن القديم، أنهم رسموا صورة للإله الكامل، ثم أدركوا أن الشر أصيل في العالم وموجود دوما، أوجدوني لتبريره”

وهنالك مونولوجات أخرى ذات طابع صوفي، يطلب فيها الراهب عفو الله ورحمته، بطريقته الخاصة، وبإحساسه الداخلي بقرب الله إليه
وهو أسلوب كثيرا ما يجردنا من أي فكر عقائدي، لأن الرابط بين الله والإنسان هو الإحساس الداخلي بوجود قوة إلهية حولنا تحمينا

ما لفت نظري أيضا في الرواية  هو عنصر التناقضات التي يعيشها الراهب، فتارة هو تابع للفكر والفلسفة، وتارة يريد التقرب من الله وتكريس حياته للدين. تارة يعشق ويحب ويمارس الحب مع امرأة، وتارة يقرر أن يكفر عن ذنوبه وينسى كل ما قام به.. تناقضات من هذا النوع هي تناقضات إنسانية يعيشها كل فرد منا حتى المتدينين، ولربما المتدينون أكثر من يعيشها. لأن الدين في بعض الأحيان يقيد الحاجات الإنسانية أو يؤجلها، و”عزازيل” في داخل الإنسان يحرضه على إشباع حاجاته فورا وعدم تأجيلها.

لن أطيل في الحديث على الرواية، ففيها جوانب مختلفة جميلة وجديدة، كان هذا سرد بسيط لبعض الأمور التي علقت في ذهني ولاقت استحساني

وربما يمكن التلخيص بأن الجديد في الرواية، هو الخروج عن المألوف، في ما يتعلق بآلية الكتابة المتبعة والنمط الإعتيادي، والخروج أيضا عن المألوفات الدينية التي حفظناها وأصبحت بالنسبة لنا واقعا دون التساؤل عن بداية الأحداث، كيف تطورت وكيف وصلت إلينا اليوم.

هذا السؤال يحولني أيضا إلى معظم الأحداث التاريخية التي درسناها، إلى أي مدى هي حقيقية؟ يقول يوسف زيدان في مقابلاته التلفزيونية، إن التاريخ عبارة عن الأحاديث والقصص التي وصلت إلينا عبر السنين حول أمور حدثت. هذا يعني أن تاريخ شيء لا يعني بالضرورة أن الأمر قد حدث بهذا الشكل بالضبط، لأن الإنسان ميال إلى الإنتقائية في تفاصيل ما يقول، فهو يضخم أحداثا معينة، يقلل أحداثا ثانية، ويحذف أحداثا أخرى بحسب ما يراه صحيحا و”منطقيا” له. لذا هل معظم ما عرفناه عن أحداث تاريخية كان بالضرورة قد حدث بهذا الشكل ومطابق لما وُصف؟

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: