إفـراغ المعانـي

              أعجبته كلمة

فتح القاموس

لم يعثر عليها

وعلى معنى ضبابي لها

لكنها تسكنه في الليل

موسيقية منسجمة

مع ذات مبهمة

قال: لا بد لها من شاعر

ومجاز ما لتخضر وتحمر

على سطح الليالي المعتمة

ما هي؟

وجد المعنى

وضاعت منه تلك الكلمة

(محمود درويش)

كثيرة تلك الهواجس التي تعترينا والأحاسيس التي تصيبنا في أعماقنا التي لا ندرك كنهها ولا نستطيع أن نلبسها كلاما يكون على مقياس شعورنا. وكأن أي محاولة منا لإلباس الشعور شيئا ستفقده عذرية اللاشيء وتعريه من نقائه الأول

في دراسات فلسفية لماهية الكلام، يقول المفكرون إن التجربة الوجودية أكبر وأوسع من مفرداتنا اللغوية، وأي محاولة منا للتعبير الكلامي عن احساسنا ستكون محض تقييد لمساحة الاحساس بحيث ندخله في قالب معد سلفا وهو قالب الكلمات

كان هذا السبب الذي منع العالم النفسي فرويد، من الحديث عن الموسيقى وتحليلها نفسيا، ليس لأنها لا تثير اهتمامه، وإنما لأنها تجربة حسية وعالم متفرد من الانفعالات والذكريات والهواجس والأحاسيس الكبيرة التي لا يليق بها أن توضع في قوالب خاصة

على إثر هذه المفارقة، انصرفت للتفكير حول الكثير من الأبحاث العلمية في المجتمعات الغربية تلك التي تستند ثقافتهم في الغالب على قواعد (المنطق) و(السببية) و(التفكير العقلاني)، ولاحظت بشكل مثير للاهتمام، محاولة الدارسين تحليل الموسيقى الى مركبات رياضية مجردة من أجل البحث عن التركيبة الرياضية التي تجعل المقطوعة حزينة أو التركيبة الأخرى التي تجعلها أكثر فرحا

وما أثار فضولي أكثر، هي قراءتي لكتاب (سيكلوجية الفكاهة) الذي يحاول الكاتب من خلاله أن يحلل التركيبة البنيوية للنكات الشائعة، معتمدا على رسوم بيانية ومعطيات ونتائج مختلفة، الأمر الذي أفقد النكات جماليتها وروحها. كما ودفعني الأمر من باب الفضول إلى أن أحلل معظم النكات التي اعرفها من خلال المقاييس التي وضعها الكاتب واقتراحاته! فوجدتني في النهاية أغرق في الضحك ليس على النكتة ذاتها، وإنما على الطريقة التي نحاول بها ان نعطي للأمور الحسية معان ومقاييس وبارامترات

ربما هي خطوة جميلة أن نكتشف القوانين الرئيسية للأمور التي تثير فينا كل هذا الإحساس الجميل من الفرح والسعادة، ولا شك في أن اللغة وسيلة ناجعة لفهم الكثير من احاسيسنا إذ ترفعها من مستوى اللا شعور الى مستوى الشعور، لكنها في الآن ذاته تلبس المعاني أشكالا محددة وقوالب خاصة تحصر قيمتها الوجودية والفنية وتفقدها رونقها الجميل وغموضها الساحر

للاستماع: نسمات عذبة

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: