غـورنيـكـا الأزليـة

منذ بدء الخليقة، ومنذ أقدم العصور، كانت حروب القتل والعنف والنزاع على السلطة قائمة بين البشر، لا سيما بين الأخوة منهم.

إحدى أشهر القصص التي يرويها التاريخ ولا زالت متداولة حتى يومنا هذا، هي قصة هابيل وقابيل. الأخوان اللذان تنازعا حتى كانت النتيجة قتل أحدهما للآخر.

لم تتوقف الخليقة يوما عن هذه الصراعات الدموية بين البشر.. ظلت حروب القتل والعنف والنزاع على السلطة حدثا دائما، متكررا، يعود للاشتعال كلما خبت ناره.

يبدو أن نظرية العالم النفسي “فرويد” حول غريزة القتل المتأصلة في نفس كل انسان، ونظرية “داروين” القائلة بان البقاء للأقوى، كانتا صائبتين منذ البداية، وهما كذلك حتى يومنا هذا برغم ما لقيتاه من نفور واعتراض من قبل مفكرين كثيرين. اذ كيف نفسر العنف المتواصل بين البشر وانتشار الظلم والقتل والدموية دون الالتفات الى نزاع فرض السلطة وترجيح كفة القوة لصالح الفئة الغالبة، على حساب أرواح مزهقة؟

أعتقد أن نظريتي فرويد وداروين قادرتان على لمس عمق السبب من وراء الممارسات العنيفة، وكلاهما تكملان بعضهما في تفسير ظواهر القتل الأزلي بين البشر.

حين نقلب في صفحات التاريخ، منذ بدء الخليقة وحتى يومنا هذا، نلاحظ أن معظم الصراعات الحاصلة كان سببها الأكبر هو النزاع على فرض السلطة لإحدى الفئتين المتقاتلتين، وفي هذا مضمون لصراع البقاء واستمرار وجود الفئة القوية على حساب الفئة الضعيفة، وهو أمر بيولوجي متوارث في نظر داروين. وحتى تضمن هذه الفئة بقاءها، فإنها تلجأ الى العنف والقتل في سبيل تحقيق ذلك، مثلما أشار فرويد في نظريته “غريزة الموت”.

“غورنيكا”.. ليست حدثا عابرا.. وليست محض صدفة. فالتاريخ حافل بنسخات مشابهة لغورنيكا: الحرب الأهلية في لبنان، الحرب الأهلية في العراق، حرب الشرق مع  الغرب، حرب اليهود والفلسطينيين.. والمزيد المزيد من الحروب التي سفكت فيها الدماء بغير رحمة، لأن الباقي هو القوي، رغم انه ليس الأفضل على أي حال.

لا يقصد من كلامي تبرير ما يحدث من عنف وقتل، وإنما هي محاولة متوجسة لفهم ظاهرة محزنة، مؤسفة، يتكرر حدوثها دائما وعلى مرّ العصور.. راجية أن تكون هذه الأفكار خاطئة، ونلتقي أخيرا بنظريات أخرى تفسر محبة الناس لبعضهم وصراعهم الدائم من أجل السلام ونصر المستضعفين في الأرض.

كتبتها: أحلام رحال

 

2 Comments (+add yours?)

  1. Prometheus
    Jan 26, 2008 @ 11:25:06

    العزيزة أحلام:
    شكرا جزيلا لك على هذا الموضوع الذي مزجتِ فيه بطريقة رائعة بين الفن والتاريخ وعلمي النفس والأحياء.
    الحرب رافقت مسيرة تطور الإنسان منذ البداية، وهناك من المؤرخين من ذهب إلى أن فترات الحرب في تاريخ البشرية أكثر من الفترات التي شهدت سلاما واستقرارا. واتفق معك على أن المحرك الأول للحروب كان على الدوام الصراع على السلطة الذي تحركه المطامع والأنانية والاستهانة بحرمة النفس البشرية.
    قرأت بالصدفة قبل أيام مضمون رابط يحتوي على نص رسالة بعثها اينشتاين إلى فرويد على خلفية اقتراح الثاني تأسيس منظمة لقادة الفكر والثقافة تكون مهمتها تحرير الإنسان من النوازع الشريرة التي تدفعه للحرب وخلق بيئة بديلة يسود فيها السلام وليس العنف وسفك الدماء.
    اقتراح فرويد جاء بعدما لاحظ أن نخب المثقفين والمفكرين لا تمارس تأثيرا مباشرا على تاريخ العالم فيما ينفرد الساسة والعسكر وحدهم باتخاذ قرارات الحرب والسلام.
    أظن أن الاقتراح وجيه لكنه صعب التطبيق فالحروب مقدّر لها أن تستمر وان تدوم إلى ما لا نهاية بفعل نزوع الإنسان بطبعه إلى العدوان والتدمير أولا ولان الصراع على السلطة والنفوذ سيظل ما بقي للإنسان وجود على هذه الأرض.
    http://www.idst.vt.edu/modernworld/d/Einstein.html

    مودتي لك.

    Reply

  2. أحلام خالـد
    Jan 29, 2008 @ 07:12:03

    العزيز بروميثيوس
    أشكر وجودك هنا وتعقيبك الجميل على الموضوع
    يبدو أن الحروب مثلما ذكرت، ستستمر ما بقي الإنسان موجودا
    ويبدو ان السلام مجرد “نكتة” أو “مزحة” نتبادلها بين الحين والآخر
    او ربما بطاقة دخول الى بلدان وحرمات كثيرة بحجة هذا السلام
    اعجبني الرابط الذي ارفقته في ردك، ليس فقط لانك اطلعتني على شيء جديد لم أسمع به من قبل
    وانما لانك منحتني الامل بأن هنالك فئات من المثقفين ومن خلدت اسماؤهم في التاريخ، فكروا حقا وبطرق مختلفة لصنع السلام في العالم
    في احدى المحاضرات التي شهدتها حول الانترنت والعلاقات الجماعية فيه، تنبأت المحاضرة بامكانية جلب السلام عن طريق هذه الشبكة العنكبوتية.. التي تجمع بين كافة البشر، تلغي فوارق الطبقات، تكسر الحدود السياسية والاجتماعية وتفتح السبيل من اجل النقاش وتبادل الاراء، لكن هذه المرة ليس بين الساسة وانما بين عامة الشعب
    ربما قريبا سينتهي عصر السياسة والكراسي الحكومية والانتخابات البرلمانية التي نشاهدها في حياتنا اليومية،
    ربما تنتهي اخيرا لعبة السياسة “القذرة” وآسفة على التعبير،
    وتأتي اخيرا امكانية حكم “الشعب” عن طريق شبكة الانترنت
    اشكرك كثيرا بروميثيوس على مشاركتك المميزة
    ودمت بخير و”سلام” يا عزيزي

    Reply

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: