بـقـايـــا عـنـاقيـد الـعنـب

تأليف: أحلام رحال

يغط الوقت في سبات عميق. يغفو على كرسيه الهزاز. تتقلب في يديه صفحات عمري، فيجتاحني من بعيد حنين مباغت، يحرك فيّ ذاكرة علقتها يوما على  جدار النسيان.

تطل من صدري طفلة صغيرة، تشبهني حد التناقض، تبتسم لي بسذاجة، تحك جبينها مثلما كنت افعل حين كنت بعمرها.

تخرج مني كالشرنقة، ترنو إلي بصمت ثم تأخذني بيدي.. تدعوني لزيارة نفسي لحظات قليلة.

أخلع جسدي بلباقة.. وأسرق من العمر لحظات لأسير معها في شوارع ذاكرتي.  

***

أسير مثل طيف فوق الغيوم.

كل شيء أبيض.

أمر على وجوه لم تكبر بعد. ضحكات لم تهدأ بعد. وأطفال يعدون في الطرقات، في أماكن خبأتها بصدري حتى لا يدركها العمر.. فتذبل.

كل شيء ابيض.. حتى أسرارنا الخطيرة وأحلامنا الغريبة وخربشاتنا على جدران البيت، حتى ذاك الفتى الذي يتسلق شرفتنا خلسة كي يلتقيني.

ما زلت أشم رائحة وردته المسروقة فتغريني بالخجل.

نساء الحي – من بقين ومن رحلن- يجتمعن حول تنور جدتي، يصنعن من ضحكاتهن أقراص خبز، ويخطن من قصصهن أثوابا تقيهن برد الوحدة.

صوت جدي يجمع الأطفال حوله، أسابقهم كي أجد مكاني. أنصت للحكاية، ثم أفغر فاهي بدهشة.. “أتجعلني القبلة أميرة”؟

أمر على وجوه كثيرة.. أعرفها ولا أعرفها. أناس مروا ذات يوم من دربي ألقوا إبتسامة وولوا..

أناس البسهم العمر ثوبا آخر فصاروا غرباء عنا وعنهم..

وآخرون سرقهم التراب بغتة.. فراحت النساء تمارسن طقوس الحزن سرا، ثم ترجعن في امسيات صيفية تملأن جرار الليل بضحكات مثيرة.

***

في زاوية معتمة من الذاكرة أسير.

يطالعني وجه “ربى” وقد عاد جسدها إليها على حين غفلة.

تعدو نحو بيتنا.. ألتقيها قبل أن تدق الباب. أرتدي وشاح أمي وننطلق على عجل.

نسابق العمر ويسبقنا ثم نستقر تحت سنديانة قديمة.

تحدثني طويلا عن مشروع حلمها الكبيرة..

كانت تحلم أن تصير حورية تخترق مساحات البحار.. يهدونها التيجان والورود، وتصير سباحة المحيط دون منازع.

“هل ستصيرين كذلك؟” .. أتساءل بشغف.

ترمقني بعين واثقة ثم تقول: “كحورية سأكون في البحر أحيا وفيه أموت..”

يااااااه ربى.. كيف استحال الحلم حقيقة بهذه القسوة؟ يوم أخذتك الأمواج عنا.. ووارتك بعيدا بعيدا.. حتى ضاع جسدك الحالم في أعماق البحر.

ونحن على شواطئ الخوف نرنو للبعيد.. نرفض ذاك الرحيل المباغت.

***

يستيقظ الوقت من سباته فجأة. فتهرب الطفلة التي تشبهني.. تترك يدي خالية للريح وتختفي.

أنظر الى جسدي قادما نحوي. يرتديني بسرعة ويرتب وجهي كي يمحو علامات الحنين..

أعود الى حاضري من جديد.

أرنو الى ملامح وجهي.. أتحسسه بخوف.. أتساءل: “ماذا سيخبئ الزمن تحت طياته؟”

أنظر للوراء فأرى الماضي يبتعد.. أنظر للأمام فأرى الغد القادم أبيض.. أبيض كالثلج.

“الغد أبيض أيضا”.. يقول قلبي.

أنظر إليه فأبتسم.. ينظر إلي ويبتسم.. نغرق كلانا في نوبة ضحك.

أجمع أشلاء نفسي وأمضي..

 نحو ذاكرة لم تبدأ بعد.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: