مديـنـة مـن بـلـــــور

الانثى تنهض من سبات عميق.. من غيبوبة صمت. ثائرة على كل شيء

في عينيها لمعة غريبة.. غضب نسائي تراكم منذ عصور

 تنظر حولها.. تسير.. الساعات تهدر مثل قطار لا يأبه.. يدوس ما يراه امامه

الانثى تنهض.. تتفادى القطار

تقترب من نوافذ الغرفة.. تفتحها.. يتسرب نور باهر، اشتاق ان يدخل غرفا نسائية منذ الاف السنين

يَدخل النور طفلا منتشيا.. يحضنها.. يلتف حولها.. يُقبل جسدها.. يدخل روحها.. ويغسلها من غبار الزمن

جميلة هي هذا الصباح، بثوب شعاعي بهي.. يتلألأ وجهها.. تشع عيناها.. يطلع من جلدها ينبوع نور

مدت يدها تتحسس جسدها.. تمر فوق تلال خضراء، مخملية الملمس.. ما استطاعت يد ان تلمسها بحنو دافئ، ليس شهوانيا فحسب.. بل بحنو انساني جميل.. يلمس

واجهة جميلة لعالم سري عميق.. لأحاسيس بركانية هائلة قد تنفجر في كل لحظة

من كل الابواب خرجت.. دون وجهة خاصة

***

طرقات المدينة كما هي.. بزعيقها المباغت.. بجنونها البشري.. الناس غادية رائحة.. دون ملامح

تتقدم بخطوات واثقة في الطرقات. المدينة تعج بالبشر.. اقدام تحفر الأرض ذهابا وايابا

بركان ثورة يتقدم بين الناس.. يسير باحثا عن نفسه.. يريد ان يكون. ماذا يكون؟؟ لا يدري
يد خفية تأتي.. تمسكها من معصمها.. تشدها اليه.. يسير الى جانبها. تنتفض.. ثم تسلم نفسها لتيار الحياة

“قد يكون فارسي.. جاء يدق ابواب قلبي..”

تسير معه من شارع الى اخر.. دون اكتراث لعيون متسائلة

كان يتكلم طول الطريق.. يغرقها ببحر كلام.. لم تصل قطرة واحدة الى روحها. كلامه كان تحنيطا لها.. لا غير

قررت ان تكمل السير معه.. قد يكون ظلما ان تحكم عليه من كلمات، ربما ورثها من اجيال سابقة كي يستميل امرأة اليه

وصل معها نهاية الطريق.. بعدما ظن انه غسلها بكلام مقدس. دنا منها. وضع يديه على وركيها.. تسلقت عيناه ثدييها.. واحتضنها بعنف

انتفضت بين يديه. ابتعدت عنه.. نظرت اليه بدهشة.. بدا وجهه دون وجه.. صار حجمه يصغر.. يصغر.. صار عقلة اصبع

هربت منه بسرعة.. ليس لديه ما تبحث عنه.. لم تكن يداه فرشاة ترسمها بحنو انساني. لا بد ان تستمر.. هنالك رجل ينتظرها خلف الأفق.. سيحضنها بحب

انطلقت من جديد في طرقات المدينة.. الرجال حولها ينظرون اليها.. واجهة فقط.. لا يرون ابعد من جسدها

ألسنتهم تلهث وراءها.. انها انثى.. انها امرأة. كل واحد يلقي حبلا اليها.. يتحول فجأة الى صياد

تركض وتركض بين الوجوه.. وجوه دون ملامح.. عيون مغلقة

نساء تقف خلف الابواب.. تنظر اليها باحتقار. “امرأة خارجة عن قانوننا.. عليها ان تعود الى بيتها.. الى مصباحها السحري.. تغفو الف سنة اخرى”

رجال يضحكون. تارة يصيرون واعظين.. يقتربون منها، يطلبون منها ان تعود الى طبيعتها.. طبيعة المرأة ان تعيش في غرفة الصمت

واخرون يربتون على كتفها.. يقولون انهم يحبون المرأة المتحررة.. وعيونهم تخفي شهوة جامحة يودون افتراسها في كل لحظة

تركض بين الطرقات.. بين الغام اسئلة.. كل خطوة تفجر الف دهشة.. تفجر الف خيبة.. ضحكات الناس تعلو.. يلهثون

فجأة.. توقفت عن الركض.. خلعت ملابسها.. امسكت سكينا.. قطعت ثدييها.. مزقت جسدها.. فتحت ذراعيها وادارت وجهها لحشد كبير

عرضت جسدها المشوّه لهم.. واجهة متكسّرة.. لم يستطع فارس ان يرى ما بداخلها من جمال

توقفوا جميعهم عن الركض .. اصطدموا بانثى ليست انثى

جمعوا خيبتهم.. اداروا ظهورهم.. وعادوا من حيث اتوا

هي استمرت بسيرها.. دون ملابس.. دون انوثة.. تخرج منها فراشات نور.. لا يلمحها احد

Advertisements

2 Comments (+add yours?)

  1. Prometheus
    Jan 19, 2008 @ 12:22:05

    العزيزة أحلام:

    سرّني كثيرا أن مررت بمدوّنتك الجميلة واستمتعت بما تضمّه من شعر بديع وأفكار رائعة ومعبّرة.

    ثم قرأت هذه القصّة الموحية والعميقة المغزى التي تختزل محنة المرأة الشرقية وما تعانيه من ظلم وتهميش بفعل الإرث الثقيل والطويل من الأفكار النمطية التي كرّستها العادات المجحفة والتقاليد الجاهلة.

    القصة جميلة كما أسلفت وتعبّر عن مشكلة المرأة مع ثلاثة أشكال من الحصار:

    حصار الرجل الذي لا يرى فيها إلا الجسد.

    ثم حصار بنات جنسها من النساء اللاتي اعتدن حياة القمع والنظرة الدونية ومع الأيام تم تدجينهن ورضين بقدرهن وأصبحن ينظرن إلى كل محاولة للتمرّد على هذا الواقع السيئ باعتبارها خروجا على “القانون”. وهذا اخطر أنواع الحصار وأشدها تأثيرا برأيي عندما يتحوّل المظلوم بفعل التعوّد والعادة إلى مدافع عن الظلم الذي يتعرّض له ويمارس بحقه باعتباره شيئا طبيعيا ومبررا. أي ما يسمّى “متلازمة أعراض استوكهولم Stockholm syndrome ” وهي حالة يتحوّل فيها الإنسان المخطوف إلى متعاطف وأحيانا مدافع عن خاطفيه.
    ثم حصار الدين ممثلا في الوعاظ الذين يرون في محاولات المرأة انتزاع شيء من حقوقها الإنسانية عملا يجافي “طبيعة المرأة” التي ينبغي في عرفهم أن تظل حبيسة الصمت وان ترضى بالواقع وإلا تعرضت للنبذ والرجم.
    شكرا جزيلا لك وبانتظار المزيد من عطاءاتك وإبداعاتك الشعرية والقصصية الرائعة.
    لا عدمناك.

    Reply

  2. ahlam
    Jan 19, 2008 @ 13:36:11

    العزيز بروميثيوس
    قدمت أهلا ووطئت سهلا
    كم أثلجت صدري هذي القراءة المتفردة للنص، والبحث في ما بين السطور
    ثم ربط الحكاية بعناصر الواقع و”الحصار” المتواصل كما ذكرت، من قبل عدة فئات اجتماعية: مثقفة، دينية، رجعية ومتحررة
    بروميثيوس.. جميلة اضاءتك هنا
    ولطيفة كلماتك
    اشكرك كثيرا
    تحياتي لك

    Reply

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: