عندما تتحدث الموسيقى

April 16, 2008 by أحلام رحال

ليست الموسيقى مجرد غذاء روحي يغمرنا بالفرح والسكينة، وإنما هي لغة وفن يخاطب الوجود الانساني والروح البشرية

ما أجمله من إبداع حين يسمو الفنان فوق قدرته على التأليف الموسيقي، ليصل الى درجة تصير موسيقاه معزوفة تتحدث، تروي وتخاطب المستمع إليها

هذا ما استنتجته بعد استماعي الى صوت العود المتألق بين أنامل الفنان نصير شمة

نصير شمة.. المولود في مدينة الكوت العراقية عام 1963 وخريج معهد الدراسات الموسيقية في بغداد عام 1987، يعد أبرز عازفي العود في الوطن العربي. حيث تتجلى روعته في تأليف مقطوعات موسيقية شفافة، جياشة بالمشاعر والأحساسيس الدافئة، وفي نفس الوقت تتحدث وتحكي روايات كثيرة: انسانية ووطنية

بمثل ما في الفن التشكيلي من إبداع في خلق صورة حية تخاطب الناظر إليها، فإن موسيقى نصير شمة ايضا ترسم صورا وأحداثا انسانية تستدعي السامع الى الانصات والاحساس أنه يعيش هذه الحادثة بتفاصيلها، بخوفها، بدفئها، بشوقها، وبحزنها

من هذه المقطوعات الجميلة، نستمع الى مقطوعة: حدث في العامرية. وهي قصة تروي مشهدا لغارة جوية على ملجأ يقبع فيه مواطنون عراقيون عزّل. تبدأ الموسيقى بتشكيل مشهد أول لأناس يعيشون حياة يومية بسيطة، لا يشوبها خوف أو مفاجآت مؤلمة. وعلى حين غفلة، نجد أن الموسيقى قد تغيرت، منذرة بحدث جلل مخيف، فتبدأ بعزف وصلة متوترة تحذر من كارثة ستصيب هؤلاء البشر. بعد قليل نسمع دوي طائرات محلقة وقصف جوي على الناس، صراخ وعويل، وخوف وهروب وقصف متواصل لا يهدأ.. تضطرب الموسيقى ونضطرب نحن معها، نتخيل مشهد الرعب والصواريخ والدماء المسفوكة. ومن ثم تهدأ الموسيقى، يهدأ القصف، وتغادر الطائرات سماء المكان. مع العزف الحزين نرى مشهد الدخان المتعالي فوق “العامرية”، نشاهد الجريمة الانسانية وأكوام اللحم المتناثر والرماد. تستمر الموسيقى في العزف الشجي، مترنحة حزينة، متثاقلة وكأنها رقصة “زوربا” الأخيرة على خرابه المفجع

الروايات التي تحملها مقطوعات نصير شمة لا تتوقف عند لوحة العامرية فحسب، وإنما تحمل أيضا روايات عاطفية كثيرة مثل: رحيل القمر، قصة حب شرقية، حب العصافير.. وتغني أيضا للتراث والأرض والشوق

للاستماع الى بعض المقطوعات الموسيقية

حدث في العامرية 

 

رحيـل القـمـر

 

إشـراقـة أمـل

 

قصة حـب شـرقيـة

    

حـب العـصافيـر

 

فراشة

April 16, 2008 by أحلام رحال

أذكر ذات صباح يوم اكتشفت فيه شرنقة في قشرة شجرة، في اللحظة التي كانت فيها الفراشة تحطم الغلاف وتتهيأ للخروج

انتظرت فترة طويلة، لكنها تأخرت، وكنت مستعجلا. وبعصبية، انحنيت وأخذت ادفئها بأنفاسي

كنت أدفئها، بنفاذ صبر، وبدأت المعجزة تتم أمامي، بأسرع مما تتم عادة

انفتح الغلاف، وخرجت الفراشة تجر نفسها جرا، لن أنسى مطلقا الشناعة التي شعرت بها عندئذ، فجناحاها لم يكونا قد تفتحا بعد

وراحت تحاول بكل جسدها الصغير المرتعد ان تنشرهما. وأخذت أساعدها بأنفاسي، وأنا منحن فوقها. لكن عبثا. كان لا بد لها من نضج بطيء، ولا بد للأجنحة من أن تنمو ببطء تحت الشمس، اما الآن فقد فات الأوان. لقد أجبرت أنفاسي الفراشة على الظهور، مثخنة، قبل موعدها وارتجفت يائسة. وبعد عدة ثوان ماتت في راحة يدي

هذه الجثة الصغيرة هي أشد ما يثقل على ضميري، لأن اغتصاب القوانين الكبرى خطيئة مميتة

نيكوس كزانتزاكيس

الايحاء الذاتي وتأثيره علينا

April 16, 2008 by أحلام رحال

هناك طريقة رائعة للإلمام بوظيفة عقلك ألا وهي ان تنظر اليه كحديقة، وأنت بمثابة بستاني تلك الحديقة، تقوم ببذر البذور أي الأفكار في عقلك الباطن طوال اليوم وعلى أساس تفكيرك المعتاد. وبما أنك تبذر الحب في عقلك الباطن، فإنك ستحصد الزرع في جسمك وحياتك.    جوزيف مورفي 

بين النفس والجسد تكمن علاقة وطيدة، تستطيع النفس عبرها أن تبث افكارا معينة تحدد بها استجابات الجسد عاطفيا وعمليا

يعتمد الايحاء الذاتي على رسم أفكار، تصورات ومعتقدات في عقلنا الباطن، يتم ارسالها الى عقلنا الواعي ليقوم بتمثيلها وتحقيقها لنا. هذه الأفكار والمعتقدات توجه جسدنا وعقلنا الواعي الى تنفيذ الأهداف المبرمجة، وتحدد المشاعر التي تنطوي عليها

هل تذكر مثلا أن قلت لنفسك يجب أن أصحو غدا الساعة السادسة صباحا فوجدت نفسك حقا قد صحوت في هذا الوقت؟

حين يفكر شخص أنه ليس محبوبا، غير مرغوب به في المجتمع ووجوده بين الناس يسبب له السخرية والاستهزاء، فإن عقله الواعي سوف يستجيب لهذه الايحاءات الذاتية وسيعمل على تكوين مشاعر الخوف والخجل من المجتمع وسيميل الفرد الى الانطواء والعزلة عن الآخرين

في المقابل، يمكننا ان نرى تأثيرا جيدا للايحاء الذاتي عند شخص آخر، بدل أن يزرع افكارا سلبية في نفسه ويتبنى نظرة سيئة لذاته، نراه يقوم بتعزيز ثقته بنفسه ويزرع افكارا ايجابية عنها. وبدل أن يفكر في عجزه وقلة حيلته وضعف قدراته، يقوم بتقوية عزيمته، ويوحي لذاته أنه قادر، يريد ويستطيع

لذا حين يزرع الانسان افكارا في عقله، فإنه سيميل الى التصرف وفقا لها. وحين يؤمن بقدرته على تحقيق أهداف معينة مهما كانت صعبة او غريبة، فإن جسده وقواه كلها سوف تتكاتف من أجل تحقيقها

اذن، يمكننا ان نقول انه حين نؤمن بشيء ونراه حقيقيا حتى لو لم يكن كذلك فإنه سيصير حقيقيا لا محالة

إن الانسان مثل قبطان سفينة، حين يعطي الأوامر لنفسه: الأفكار والتصورات الذاتية، فإنه سيقود دفة السفينة الى حيث يريد. لأن التغيير يبدأ من داخله، هو نفسه قادر على توجيه نفسه وسلوكه ومشاعره، وسيكون قادرا على تحقيق رغباته وتحقيق ذاته

من أجل قيادة أفضل لذاتك يمكنك أن تبدأ الآن

اجلس مع نفسك، كن هادئا متواصلا مع ذاتك، أغمض عينيك وأبلغ عقلك الباطني برسالات تود ارسالها الى عقلك الواعي كي يقوم بتحقيقها، قل مثلا إنك واثق من نفسك، واثق من قدراتك، تحب صفاتك التالية:…… عددها، قل لنفسك إنك سوف تحاول، وسوف تحقق ما تريد  

في حال انزاعجك من بعض الصفات التي تحملها، قم بالاعتراف بها بدل انكارها، اذكرها وقل لنفسك انك ستحاول التخلص منها وانك ستحاول ان تكون افضل ما يمكن

 

دخــــــان

March 13, 2008 by أحلام رحال

كـم يـطيب لـي استـراق النـظر إليـــك.. وأنـت تحـضـن سيـجارة بيـن شفتـيـك.. تنفـث دخـانـها فـي فضـاء صـامـت وتـحرقـهـا بحـنـان جـميـل

أتـأمـل الدخـان وهـو يعـلـو.. يتـراقـص ثملا علـى وقـع أنفـاسـك.. وتسـمـو فـيـه النشـوة للأعـالـي.. حتـى يـطال سـقـف الســماء

عـنـدهـا فقـط أدرك سـر الدخـان المنـبعـث مـن صـدري، حيـن تسـافـر شفتـاك فـوقـي

وأحسـد كـل سيـجـارة تـحملـهـا.. ستشتـعل معـك فـي لـحـظة إلهيــة

وأبـــارك كـل النساء التي قبـلـتـهـا قبـلـي.. ومـرت أنـاملـك فـوق صحـاريـهـا.. فـأحـالتـهـا إلى وطن أخضر.

اللحـظــات الأخيــرة

February 9, 2008 by أحلام رحال

 لو علمت أنك ستفارق الحياة بعد 90 دقيقة

وستصمت هذه الأنفاس ويهدأ هذا النبض الى الأبد..

ستفارق كل من تحب ومن أحببت يوما

ستفارق كل الأشياء التي كنت تحب صنعها

وكل الأمور التي كانت تجلب اليك المتعة والسعادة

وستسير بعد قليل نحو طريق مجهول .. نحو النهاية..

ترى..

ماذا ستفعل في هذه اللحظات الأخيرة؟

 وكيف كنت تفضل أن تقضي ما تبقى من عمرك؟

خـاطــرة تـأمليـــة

February 4, 2008 by أحلام رحال

تأملت هذه اللوحة كثيـرا، وفي كل مرة كانت تشدني اليها أكثر وتدفعني الحيرة للتأمل في مضمونها ومساحات الصمت والتجريد فيها.

قلب أحمر، راحتان وضوء..

للوهلة الأولى لاحظت اختلاف اللون بين راحتي اليد، حيث نرى احداهما سمراء والاخرى بيضاء.

في البدء ظننت أن سبب اختلاف اللون يعود إلى تلاعب الفنان بالضوء لا غير.. لكني بسبب معرفتي أن كل شيء في الفن له معناه المميز ورمزيته الخاصة التي علينا ألا نأخذها من نظرة سطحية بسيطة، فقد ذهبت بعيدا محاولة البحث عما وراء المعنى، أو على أقل تعبير: ذهبت لأبحث عما تثير فيّ رموز اللوحة من هواجس.

اختلاف لون الكفين، بروز إظفر من احداهما واطباق احدى الكفين على القلب بشكل أقوى، أوحى إلي بما يسمى “مفارقة الحب” في الحياة..

تلك المفارقة التي تقول انه في كل حب هناك من يحب الآخر أكثر، من يخلص للآخر أكثر، يضحي له أكثر ومستعد للتمسك به حتى الرمق الأخير.

فميزان الحب غير متكافئ.. غالبا سنجد طرفا قويا وطرفا ضعيفا، أو طرفا “ظالما” واخر “مظلوما”.

من منظار آخر، قد نرى أن اللوحة تتحدث عن قلب الانسان وما يمكنه أن يصنع في الحياة.. قد يملأ الدنيا نورا وبياضا وقد يملأها عنفا وسوادا، أي أن الانسان باستطاعته اختيار الطريق التي يريد سلكها مع الآخرين: طريق الحب او طريق الكره، طريق النور أو طريق الظلام.

من ناحية أخرى، يمكننا أن نرى أن اللوحة تعبير لماهية الانسان. اذ اننا جميعا كتلة من التناقضات، نحوي في داخلنا جوانب مظلمة وجوانب مشرقة، صفات جيدة وصفات سيئة، جانب خيّر وجانب سيء، جانب ملائكي وجانب شيطاني.. ولكننا قد نختلف عن بعضنا بسيطرة أحد الجانبين المتناقضين علينا.. أشخاص قد يسيطر الجانب المظلم عليهم، وآخرون قد يسيطر الجانب الأبيض والمشرق.

حين رحلت إلى افق اخر من التفكير، أثارت فيّ اللوحة هاجسا آخر..

الكفان مختلفتا اللون والقلب بينهما، ذكروني بحروب الانسان: الابيض والاسود، الشرق والغرب، الشمال والجنوب.. وغيرهم من الحروب البشرية التي تندلع تحت اسم السلام وتحت ادعاءات كثيرة- كالتي نشاهدها مؤخرا- والتي تدعي بأن كل مساعيها هي نية صافية من اجل احكام القبض على السلام ونشره في الدنيا.

وكم من الجرائم ترتكب باسمك ايها السلام !

قد تحمل اللوحة معان كثيرة، وكل واحد منا قد يرى شيئا مختلفا عن الآخر – هذا ما يعطي الفن سموا وقوة في الحضور- 

وكما يقال في علم النفس، إن تأويلاتنا للمعاني هي مجرد انعكاس لافكارنا واسقاط لما يشغل بالنا على الاشياء من حولنا..

إحـــــتراق

January 29, 2008 by أحلام رحال

هذا المساء شفتاك بغير حرارة

انفاسك حائرة. لمستك تحمل اسرارا كثيرة.. لو تنفجر.

أي شيء أراه اليوم في عينين غائبتين..

تهربان مني أم تهربان إلي؟

 مساحة صمت تفصلنا عن بعضنا.. وأكاد لا أراك.

*** 

يرقة جديدة.. استفاقت من غيبوبة صمت.. تفتح عينيها على شعاع نور..

يرقة جديدة في فضاء واسع كنت أنا.

وبلبل هارب من حكم اعدام كان أنت.

……………

التقينا خارج حدود الزمان والمكان

 في وقت تأخذ الدنيا فيه قيلولة.. تستريح من عناء السفر.

مشينا على أصابعنا.. سرقنا أحصنة الوقت وهربنا.

جسر سري كان بيننا.. تواصل لا تفسير له. كان اقترابك مني ومن جسدي أجمل تفسير.

***

أتخطئ الأنثى حين تحس بتغيير؟

هذا المساء يداك بغير حرارة..

ألذلك الحادث تأثير؟

يوم اهتزت الأرض تحت أقدامنا.. وانفجر دخان.

حاولنا أن نختبئ.. تشبثنا ببعضنا .. و……

الدخان لم يعد دخانا.. صار امرأة من نار. أضاءت في عينينا. أدخلتنا عالم دهشة.

حين أفقت بحث عنك.. لم تكن هناك.

***

موجع أنت أيها الصمت.. ثقيل مثل قلقي.. ترمينا في دائرة مغلقة:

أنا هو وامرأة من دخان..

براكين ثلاثة ندور حول بعضنا.. مثقلين بأحلام ومثقلين بزلازل.

لأول مرة كنت أراك ولا أراك.. تائها بين افكارك.. غارقا في ذكريات.

لو تقل كلمة تحرق غابات اسئلتي. لو أقرأ شيئا في عينيك.

لصمتك هذا المساء طعم جديد.. لا يخطئه قلبي.

عيناك غائبتان.. شفتاك باردتان.. وافكاري حريق. 

غـورنيـكـا الأزليـة

January 25, 2008 by أحلام رحال

منذ بدء الخليقة، ومنذ أقدم العصور، كانت حروب القتل والعنف والنزاع على السلطة قائمة بين البشر، لا سيما بين الأخوة منهم.

إحدى أشهر القصص التي يرويها التاريخ ولا زالت متداولة حتى يومنا هذا، هي قصة هابيل وقابيل. الأخوان اللذان تنازعا حتى كانت النتيجة قتل أحدهما للآخر.

لم تتوقف الخليقة يوما عن هذه الصراعات الدموية بين البشر.. ظلت حروب القتل والعنف والنزاع على السلطة حدثا دائما، متكررا، يعود للاشتعال كلما خبت ناره.

يبدو أن نظرية العالم النفسي “فرويد” حول غريزة القتل المتأصلة في نفس كل انسان، ونظرية “داروين” القائلة بان البقاء للأقوى، كانتا صائبتين منذ البداية، وهما كذلك حتى يومنا هذا برغم ما لقيتاه من نفور واعتراض من قبل مفكرين كثيرين. اذ كيف نفسر العنف المتواصل بين البشر وانتشار الظلم والقتل والدموية دون الالتفات الى نزاع فرض السلطة وترجيح كفة القوة لصالح الفئة الغالبة، على حساب أرواح مزهقة؟

أعتقد أن نظريتي فرويد وداروين قادرتان على لمس عمق السبب من وراء الممارسات العنيفة، وكلاهما تكملان بعضهما في تفسير ظواهر القتل الأزلي بين البشر.

حين نقلب في صفحات التاريخ، منذ بدء الخليقة وحتى يومنا هذا، نلاحظ أن معظم الصراعات الحاصلة كان سببها الأكبر هو النزاع على فرض السلطة لإحدى الفئتين المتقاتلتين، وفي هذا مضمون لصراع البقاء واستمرار وجود الفئة القوية على حساب الفئة الضعيفة، وهو أمر بيولوجي متوارث في نظر داروين. وحتى تضمن هذه الفئة بقاءها، فإنها تلجأ الى العنف والقتل في سبيل تحقيق ذلك، مثلما أشار فرويد في نظريته “غريزة الموت”.

“غورنيكا”.. ليست حدثا عابرا.. وليست محض صدفة. فالتاريخ حافل بنسخات مشابهة لغورنيكا: الحرب الأهلية في لبنان، الحرب الأهلية في العراق، حرب الشرق مع  الغرب، حرب اليهود والفلسطينيين.. والمزيد المزيد من الحروب التي سفكت فيها الدماء بغير رحمة، لأن الباقي هو القوي، رغم انه ليس الأفضل على أي حال.

لا يقصد من كلامي تبرير ما يحدث من عنف وقتل، وإنما هي محاولة متوجسة لفهم ظاهرة محزنة، مؤسفة، يتكرر حدوثها دائما وعلى مرّ العصور.. راجية أن تكون هذه الأفكار خاطئة، ونلتقي أخيرا بنظريات أخرى تفسر محبة الناس لبعضهم وصراعهم الدائم من أجل السلام ونصر المستضعفين في الأرض.

الأعــمــى

January 25, 2008 by أحلام رحال

تقول الرواية، إن الشاعر الفيلسوف فاقد البصر أبا العلاء المعري، كان جالسا في ندوة من ندواته، يتلو ما فاضت به جعبته من شعر وفكر وفلسفة. 

وكان القوم من حوله يصفقون له ويهللون لجمال ما يسمعون.

أثناء ذلك، مر رجل من المكان، سمع التصفيق والمديح ورأى الناس متحلقين حول أبي العلاء فأراد أن يستفر الجموع ويهزأ من الشاعر، فقال ساخرا: “من هذا الأعمى”؟

انتفض الجالسون لدى سماعه، وامتلأ قلب شاعرنا غيظا على هذا التطفل، تريث قليلا ثم رفع صوته مجيبا بحزم: “أعمى من لا يعرف مئة اسم للكلب”.

عاد المعري الى بيته يفكر في سؤال الرجل.

طلب من أحد اصدقائه أن يخرج كتبا ويتلو عليه ما جاءت به من معان لكلمة “أعمى”.

أخذ صديقه بقراءة ما كُتب، بينما كان المعري يهز رأسه، يتذكر المعنى سريعا ويسبقه في الكلام..

وفي كل مرة تلا فيها صديقه معنى جديدا.. كان المعري يزداد ثقة بأن الأعمى هو من لا يعرف.

بـقـايـــا عـنـاقيـد الـعنـب

January 20, 2008 by أحلام رحال

يغط الوقت في سبات عميق. يغفو على كرسيه الهزاز. تتقلب في يديه صفحات عمري، فيجتاحني من بعيد حنين مباغت، يحرك فيّ ذاكرة علقتها يوما على  جدار النسيان.

تطل من صدري طفلة صغيرة، تشبهني حد التناقض، تبتسم لي بسذاجة، تحك جبينها مثلما كنت افعل حين كنت بعمرها.

تخرج مني كالشرنقة، ترنو إلي بصمت ثم تأخذني بيدي.. تدعوني لزيارة نفسي لحظات قليلة.

أخلع جسدي بلباقة.. وأسرق من العمر لحظات لأسير معها في شوارع ذاكرتي.  

***

أسير مثل طيف فوق الغيوم.

كل شيء أبيض.

أمر على وجوه لم تكبر بعد. ضحكات لم تهدأ بعد. وأطفال يعدون في الطرقات، في أماكن خبأتها بصدري حتى لا يدركها العمر.. فتذبل.

كل شيء ابيض.. حتى أسرارنا الخطيرة وأحلامنا الغريبة وخربشاتنا على جدران البيت، حتى ذاك الفتى الذي يتسلق شرفتنا خلسة كي يلتقيني.

ما زلت أشم رائحة وردته المسروقة فتغريني بالخجل.

نساء الحي – من بقين ومن رحلن- يجتمعن حول تنور جدتي، يصنعن من ضحكاتهن أقراص خبز، ويخطن من قصصهن أثوابا تقيهن برد الوحدة.

صوت جدي يجمع الأطفال حوله، أسابقهم كي أجد مكاني. أنصت للحكاية، ثم أفغر فاهي بدهشة.. “أتجعلني القبلة أميرة”؟

أمر على وجوه كثيرة.. أعرفها ولا أعرفها. أناس مروا ذات يوم من دربي ألقوا إبتسامة وولوا..

أناس البسهم العمر ثوبا آخر فصاروا غرباء عنا وعنهم..

وآخرون سرقهم التراب بغتة.. فراحت النساء تمارسن طقوس الحزن سرا، ثم ترجعن في امسيات صيفية تملأن جرار الليل بضحكات مثيرة.

***

في زاوية معتمة من الذاكرة أسير.

يطالعني وجه “ربى” وقد عاد جسدها إليها على حين غفلة.

تعدو نحو بيتنا.. ألتقيها قبل أن تدق الباب. أرتدي وشاح أمي وننطلق على عجل.

نسابق العمر ويسبقنا ثم نستقر تحت سنديانة قديمة.

تحدثني طويلا عن مشروع حلمها الكبيرة..

كانت تحلم أن تصير حورية تخترق مساحات البحار.. يهدونها التيجان والورود، وتصير سباحة المحيط دون منازع.

“هل ستصيرين كذلك؟” .. أتساءل بشغف.

ترمقني بعين واثقة ثم تقول: “كحورية سأكون في البحر أحيا وفيه أموت..”

يااااااه ربى.. كيف استحال الحلم حقيقة بهذه القسوة؟ يوم أخذتك الأمواج عنا.. ووارتك بعيدا بعيدا.. حتى ضاع جسدك الحالم في أعماق البحر.

ونحن على شواطئ الخوف نرنو للبعيد.. نرفض ذاك الرحيل المباغت.

***

يستيقظ الوقت من سباته فجأة. فتهرب الطفلة التي تشبهني.. تترك يدي خالية للريح وتختفي.

أنظر الى جسدي الشاب قادما نحوي. يرتديني بسرعة ويرتب وجهي كي يمحو علامات الحنين..

أعود الى حاضري من جديد.

أرنو الى ملامح وجهي.. أتحسسه بخوف.. أتساءل: “ماذا سيخبئ الزمن تحت طياته؟”

أنظر للوراء فأرى الماضي يبتعد.. أنظر للأمام فأرى الغد القادم أبيض.. أبيض كالثلج.

“الغد أبيض أيضا”.. يقول قلبي.

أنظر إليه فأبتسم.. ينظر إلي ويبتسم.. نغرق كلانا في نوبة ضحك.

أجمع أشلاء نفسي وأمضي..

 نحو ذاكرة لم تبدأ بعد.