ليست الموسيقى مجرد غذاء روحي يغمرنا بالفرح والسكينة، وإنما هي لغة وفن يخاطب الوجود الانساني والروح البشرية
ما أجمله من إبداع حين يسمو الفنان فوق قدرته على التأليف الموسيقي، ليصل الى درجة تصير موسيقاه معزوفة تتحدث، تروي وتخاطب المستمع إليها
هذا ما استنتجته بعد استماعي الى صوت العود المتألق بين أنامل الفنان نصير شمة
نصير شمة.. المولود في مدينة الكوت العراقية عام 1963 وخريج معهد الدراسات الموسيقية في بغداد عام 1987، يعد أبرز عازفي العود في الوطن العربي. حيث تتجلى روعته في تأليف مقطوعات موسيقية شفافة، جياشة بالمشاعر والأحساسيس الدافئة، وفي نفس الوقت تتحدث وتحكي روايات كثيرة: انسانية ووطنية
بمثل ما في الفن التشكيلي من إبداع في خلق صورة حية تخاطب الناظر إليها، فإن موسيقى نصير شمة ايضا ترسم صورا وأحداثا انسانية تستدعي السامع الى الانصات والاحساس أنه يعيش هذه الحادثة بتفاصيلها، بخوفها، بدفئها، بشوقها، وبحزنها
من هذه المقطوعات الجميلة، نستمع الى مقطوعة: حدث في العامرية. وهي قصة تروي مشهدا لغارة جوية على ملجأ يقبع فيه مواطنون عراقيون عزّل. تبدأ الموسيقى بتشكيل مشهد أول لأناس يعيشون حياة يومية بسيطة، لا يشوبها خوف أو مفاجآت مؤلمة. وعلى حين غفلة، نجد أن الموسيقى قد تغيرت، منذرة بحدث جلل مخيف، فتبدأ بعزف وصلة متوترة تحذر من كارثة ستصيب هؤلاء البشر. بعد قليل نسمع دوي طائرات محلقة وقصف جوي على الناس، صراخ وعويل، وخوف وهروب وقصف متواصل لا يهدأ.. تضطرب الموسيقى ونضطرب نحن معها، نتخيل مشهد الرعب والصواريخ والدماء المسفوكة. ومن ثم تهدأ الموسيقى، يهدأ القصف، وتغادر الطائرات سماء المكان. مع العزف الحزين نرى مشهد الدخان المتعالي فوق “العامرية”، نشاهد الجريمة الانسانية وأكوام اللحم المتناثر والرماد. تستمر الموسيقى في العزف الشجي، مترنحة حزينة، متثاقلة وكأنها رقصة “زوربا” الأخيرة على خرابه المفجع
الروايات التي تحملها مقطوعات نصير شمة لا تتوقف عند لوحة العامرية فحسب، وإنما تحمل أيضا روايات عاطفية كثيرة مثل: رحيل القمر، قصة حب شرقية، حب العصافير.. وتغني أيضا للتراث والأرض والشوق
للاستماع الى بعض المقطوعات الموسيقية









