Archive for the ‘تـأمــــلات’ Category

غـربــان

November 1, 2008

كان يستهويني في طفولتي مسلسل كرتوني للأطفال، يدهشني فيه مشهد العمالقة وهم يلاحقون أقزاما محاولين الانقضاض عليهم، ولكن حين تشرق الشمس كان يهرب العمالقة هلعين، فيحيلهم النور إلى حجارة لا يستطيعون حراكا.

اليوم حين كبرت أيقنت ان هذه الشخوص لا تختلف كثيرا عن أناس نلتقيهم في حياتنا، يطلون علينا بأبهى صورة وأنقى ابتسامة ويغدقون علينا بعذب الحديث. كأنهم غربان ترتدي قناع حمامة، يحطون على أكتافنا في لحظات ضعف. نقاسمهم خبز أحلامنا وقمح صدقنا ونفتح لهم أبواب قلبنا دون مقابل. لكن سرعان ما تنكسر تلك القشرة التي تغطيهن حين تضيء شمس الحقيقة فيعريهم النور من زيفهم ويظهر لنا واقعهم المشوه.

يذهلني أن لهؤلاء أقنعة كثيرة، تتبدل من وقت لآخر ومن ظرف لآخر. كلما ظننا أننا تعلمنا من خطئنا، نجد أننا وقعنا في شرك جديد.

ترى كيف نقي بيادرنا من غربـان يحجبها ظلام النفوس؟

إفـراغ المعانـي

May 16, 2008

              أعجبته كلمة

فتح القاموس

لم يعثر عليها

وعلى معنى ضبابي لها

لكنها تسكنه في الليل

موسيقية منسجمة

مع ذات مبهمة 

قال: لا بد لها من شاعر

ومجاز ما لتخضر وتحمر

على سطح الليالي المعتمة

ما هي؟

وجد المعنى

وضاعت منه تلك الكلمة

(محمود درويش)

 

كثيرة تلك الهواجس التي تعترينا والأحاسيس التي تصيبنا في أعماقنا التي لا ندرك كنهها ولا نستطيع أن نلبسها كلاما يكون على مقياس شعورنا. وكأن أي محاولة منا لإلباس الشعور شيئا ستفقده عذرية اللاشيء وتعريه من نقائه الأول

في دراسات فلسفية لماهية الكلام، يقول المفكرون إن التجربة الوجودية أكبر وأوسع من مفرداتنا اللغوية، وأي محاولة منا للتعبير الكلامي عن احساسنا ستكون محض تقييد لمساحة الاحساس بحيث ندخله في قالب معد سلفا وهو قالب الكلمات

كان هذا السبب الذي منع العالم النفسي فرويد، من الحديث عن الموسيقى وتحليلها نفسيا، ليس لأنها لا تثير اهتمامه، وإنما لأنها تجربة حسية وعالم متفرد من الانفعالات والذكريات والهواجس والأحاسيس الكبيرة التي لا يليق بها أن توضع في قوالب خاصة

على إثر هذه المفارقة، انصرفت للتفكير حول الكثير من الأبحاث العلمية في المجتمعات الغربية تلك التي تستند ثقافتهم في الغالب على قواعد (المنطق) و(السببية) و(التفكير العقلاني)، ولاحظت بشكل مثير للاهتمام، محاولة الدارسين تحليل الموسيقى الى مركبات رياضية مجردة من أجل البحث عن التركيبة الرياضية التي تجعل المقطوعة حزينة أو التركيبة الأخرى التي تجعلها أكثر فرحا

وما أثار فضولي أكثر، هي قراءتي لكتاب (سيكلوجية الفكاهة) الذي يحاول الكاتب من خلاله أن يحلل التركيبة البنيوية للنكات الشائعة، معتمدا على رسوم بيانية ومعطيات ونتائج مختلفة، الأمر الذي أفقد النكات جماليتها وروحها. كما ودفعني الأمر من باب الفضول إلى أن أحلل معظم النكات التي اعرفها من خلال المقاييس التي وضعها الكاتب واقتراحاته! فوجدتني في النهاية أغرق في الضحك ليس على النكتة ذاتها، وإنما على الطريقة التي نحاول بها ان نعطي للأمور الحسية معان ومقاييس وبارامترات

ربما هي خطوة جميلة أن نكتشف القوانين الرئيسية للأمور التي تثير فينا كل هذا الإحساس الجميل من الفرح والسعادة، ولا شك في أن اللغة وسيلة ناجعة لفهم الكثير من احاسيسنا إذ ترفعها من مستوى اللا شعور الى مستوى الشعور، لكنها في الآن ذاته تلبس المعاني أشكالا محددة وقوالب خاصة تحصر قيمتها الوجودية والفنية وتفقدها رونقها الجميل وغموضها الساحر

للاستماع: نسمات عذبة

 

فراشة

April 16, 2008

أذكر ذات صباح يوم اكتشفت فيه شرنقة في قشرة شجرة، في اللحظة التي كانت فيها الفراشة تحطم الغلاف وتتهيأ للخروج

انتظرت فترة طويلة، لكنها تأخرت، وكنت مستعجلا. وبعصبية، انحنيت وأخذت ادفئها بأنفاسي

كنت أدفئها، بنفاذ صبر، وبدأت المعجزة تتم أمامي، بأسرع مما تتم عادة

انفتح الغلاف، وخرجت الفراشة تجر نفسها جرا، لن أنسى مطلقا الشناعة التي شعرت بها عندئذ، فجناحاها لم يكونا قد تفتحا بعد

وراحت تحاول بكل جسدها الصغير المرتعد ان تنشرهما. وأخذت أساعدها بأنفاسي، وأنا منحن فوقها. لكن عبثا. كان لا بد لها من نضج بطيء، ولا بد للأجنحة من أن تنمو ببطء تحت الشمس، اما الآن فقد فات الأوان. لقد أجبرت أنفاسي الفراشة على الظهور، مثخنة، قبل موعدها وارتجفت يائسة. وبعد عدة ثوان ماتت في راحة يدي

هذه الجثة الصغيرة هي أشد ما يثقل على ضميري، لأن اغتصاب القوانين الكبرى خطيئة مميتة

نيكوس كزانتزاكيس

الايحاء الذاتي وتأثيره علينا

April 16, 2008

هناك طريقة رائعة للإلمام بوظيفة عقلك ألا وهي ان تنظر اليه كحديقة، وأنت بمثابة بستاني تلك الحديقة، تقوم ببذر البذور أي الأفكار في عقلك الباطن طوال اليوم وعلى أساس تفكيرك المعتاد. وبما أنك تبذر الحب في عقلك الباطن، فإنك ستحصد الزرع في جسمك وحياتك.    جوزيف مورفي 

بين النفس والجسد تكمن علاقة وطيدة، تستطيع النفس عبرها أن تبث افكارا معينة تحدد بها استجابات الجسد عاطفيا وعمليا

يعتمد الايحاء الذاتي على رسم أفكار، تصورات ومعتقدات في عقلنا الباطن، يتم ارسالها الى عقلنا الواعي ليقوم بتمثيلها وتحقيقها لنا. هذه الأفكار والمعتقدات توجه جسدنا وعقلنا الواعي الى تنفيذ الأهداف المبرمجة، وتحدد المشاعر التي تنطوي عليها

هل تذكر مثلا أن قلت لنفسك يجب أن أصحو غدا الساعة السادسة صباحا فوجدت نفسك حقا قد صحوت في هذا الوقت؟

حين يفكر شخص أنه ليس محبوبا، غير مرغوب به في المجتمع ووجوده بين الناس يسبب له السخرية والاستهزاء، فإن عقله الواعي سوف يستجيب لهذه الايحاءات الذاتية وسيعمل على تكوين مشاعر الخوف والخجل من المجتمع وسيميل الفرد الى الانطواء والعزلة عن الآخرين

في المقابل، يمكننا ان نرى تأثيرا جيدا للايحاء الذاتي عند شخص آخر، بدل أن يزرع افكارا سلبية في نفسه ويتبنى نظرة سيئة لذاته، نراه يقوم بتعزيز ثقته بنفسه ويزرع افكارا ايجابية عنها. وبدل أن يفكر في عجزه وقلة حيلته وضعف قدراته، يقوم بتقوية عزيمته، ويوحي لذاته أنه قادر، يريد ويستطيع

لذا حين يزرع الانسان افكارا في عقله، فإنه سيميل الى التصرف وفقا لها. وحين يؤمن بقدرته على تحقيق أهداف معينة مهما كانت صعبة او غريبة، فإن جسده وقواه كلها سوف تتكاتف من أجل تحقيقها

اذن، يمكننا ان نقول انه حين نؤمن بشيء ونراه حقيقيا حتى لو لم يكن كذلك فإنه سيصير حقيقيا لا محالة

إن الانسان مثل قبطان سفينة، حين يعطي الأوامر لنفسه: الأفكار والتصورات الذاتية، فإنه سيقود دفة السفينة الى حيث يريد. لأن التغيير يبدأ من داخله، هو نفسه قادر على توجيه نفسه وسلوكه ومشاعره، وسيكون قادرا على تحقيق رغباته وتحقيق ذاته

من أجل قيادة أفضل لذاتك يمكنك أن تبدأ الآن

اجلس مع نفسك، كن هادئا متواصلا مع ذاتك، أغمض عينيك وأبلغ عقلك الباطني برسالات تود ارسالها الى عقلك الواعي كي يقوم بتحقيقها، قل مثلا إنك واثق من نفسك، واثق من قدراتك، تحب صفاتك التالية:…… عددها، قل لنفسك إنك سوف تحاول، وسوف تحقق ما تريد  

في حال انزاعجك من بعض الصفات التي تحملها، قم بالاعتراف بها بدل انكارها، اذكرها وقل لنفسك انك ستحاول التخلص منها وانك ستحاول ان تكون افضل ما يمكن

 

اللحـظــات الأخيــرة

February 9, 2008

 لو علمت أنك ستفارق الحياة بعد 90 دقيقة

وستصمت هذه الأنفاس ويهدأ هذا النبض الى الأبد..

ستفارق كل من تحب ومن أحببت يوما

ستفارق كل الأشياء التي كنت تحب صنعها

وكل الأمور التي كانت تجلب اليك المتعة والسعادة

وستسير بعد قليل نحو طريق مجهول .. نحو النهاية..

ترى..

ماذا ستفعل في هذه اللحظات الأخيرة؟

 وكيف كنت تفضل أن تقضي ما تبقى من عمرك؟

خـاطــرة تـأمليـــة

February 4, 2008

تأملت هذه اللوحة كثيـرا، وفي كل مرة كانت تشدني اليها أكثر وتدفعني الحيرة للتأمل في مضمونها ومساحات الصمت والتجريد فيها.

قلب أحمر، راحتان وضوء..

للوهلة الأولى لاحظت اختلاف اللون بين راحتي اليد، حيث نرى احداهما سمراء والاخرى بيضاء.

في البدء ظننت أن سبب اختلاف اللون يعود إلى تلاعب الفنان بالضوء لا غير.. لكني بسبب معرفتي أن كل شيء في الفن له معناه المميز ورمزيته الخاصة التي علينا ألا نأخذها من نظرة سطحية بسيطة، فقد ذهبت بعيدا محاولة البحث عما وراء المعنى، أو على أقل تعبير: ذهبت لأبحث عما تثير فيّ رموز اللوحة من هواجس.

اختلاف لون الكفين، بروز إظفر من احداهما واطباق احدى الكفين على القلب بشكل أقوى، أوحى إلي بما يسمى “مفارقة الحب” في الحياة..

تلك المفارقة التي تقول انه في كل حب هناك من يحب الآخر أكثر، من يخلص للآخر أكثر، يضحي له أكثر ومستعد للتمسك به حتى الرمق الأخير.

فميزان الحب غير متكافئ.. غالبا سنجد طرفا قويا وطرفا ضعيفا، أو طرفا “ظالما” واخر “مظلوما”.

من منظار آخر، قد نرى أن اللوحة تتحدث عن قلب الانسان وما يمكنه أن يصنع في الحياة.. قد يملأ الدنيا نورا وبياضا وقد يملأها عنفا وسوادا، أي أن الانسان باستطاعته اختيار الطريق التي يريد سلكها مع الآخرين: طريق الحب او طريق الكره، طريق النور أو طريق الظلام.

من ناحية أخرى، يمكننا أن نرى أن اللوحة تعبير لماهية الانسان. اذ اننا جميعا كتلة من التناقضات، نحوي في داخلنا جوانب مظلمة وجوانب مشرقة، صفات جيدة وصفات سيئة، جانب خيّر وجانب سيء، جانب ملائكي وجانب شيطاني.. ولكننا قد نختلف عن بعضنا بسيطرة أحد الجانبين المتناقضين علينا.. أشخاص قد يسيطر الجانب المظلم عليهم، وآخرون قد يسيطر الجانب الأبيض والمشرق.

حين رحلت إلى افق اخر من التفكير، أثارت فيّ اللوحة هاجسا آخر..

الكفان مختلفتا اللون والقلب بينهما، ذكروني بحروب الانسان: الابيض والاسود، الشرق والغرب، الشمال والجنوب.. وغيرهم من الحروب البشرية التي تندلع تحت اسم السلام وتحت ادعاءات كثيرة- كالتي نشاهدها مؤخرا- والتي تدعي بأن كل مساعيها هي نية صافية من اجل احكام القبض على السلام ونشره في الدنيا.

وكم من الجرائم ترتكب باسمك ايها السلام !

قد تحمل اللوحة معان كثيرة، وكل واحد منا قد يرى شيئا مختلفا عن الآخر – هذا ما يعطي الفن سموا وقوة في الحضور- 

وكما يقال في علم النفس، إن تأويلاتنا للمعاني هي مجرد انعكاس لافكارنا واسقاط لما يشغل بالنا على الاشياء من حولنا..

غـورنيـكـا الأزليـة

January 25, 2008

منذ بدء الخليقة، ومنذ أقدم العصور، كانت حروب القتل والعنف والنزاع على السلطة قائمة بين البشر، لا سيما بين الأخوة منهم.

إحدى أشهر القصص التي يرويها التاريخ ولا زالت متداولة حتى يومنا هذا، هي قصة هابيل وقابيل. الأخوان اللذان تنازعا حتى كانت النتيجة قتل أحدهما للآخر.

لم تتوقف الخليقة يوما عن هذه الصراعات الدموية بين البشر.. ظلت حروب القتل والعنف والنزاع على السلطة حدثا دائما، متكررا، يعود للاشتعال كلما خبت ناره.

يبدو أن نظرية العالم النفسي “فرويد” حول غريزة القتل المتأصلة في نفس كل انسان، ونظرية “داروين” القائلة بان البقاء للأقوى، كانتا صائبتين منذ البداية، وهما كذلك حتى يومنا هذا برغم ما لقيتاه من نفور واعتراض من قبل مفكرين كثيرين. اذ كيف نفسر العنف المتواصل بين البشر وانتشار الظلم والقتل والدموية دون الالتفات الى نزاع فرض السلطة وترجيح كفة القوة لصالح الفئة الغالبة، على حساب أرواح مزهقة؟

أعتقد أن نظريتي فرويد وداروين قادرتان على لمس عمق السبب من وراء الممارسات العنيفة، وكلاهما تكملان بعضهما في تفسير ظواهر القتل الأزلي بين البشر.

حين نقلب في صفحات التاريخ، منذ بدء الخليقة وحتى يومنا هذا، نلاحظ أن معظم الصراعات الحاصلة كان سببها الأكبر هو النزاع على فرض السلطة لإحدى الفئتين المتقاتلتين، وفي هذا مضمون لصراع البقاء واستمرار وجود الفئة القوية على حساب الفئة الضعيفة، وهو أمر بيولوجي متوارث في نظر داروين. وحتى تضمن هذه الفئة بقاءها، فإنها تلجأ الى العنف والقتل في سبيل تحقيق ذلك، مثلما أشار فرويد في نظريته “غريزة الموت”.

“غورنيكا”.. ليست حدثا عابرا.. وليست محض صدفة. فالتاريخ حافل بنسخات مشابهة لغورنيكا: الحرب الأهلية في لبنان، الحرب الأهلية في العراق، حرب الشرق مع  الغرب، حرب اليهود والفلسطينيين.. والمزيد المزيد من الحروب التي سفكت فيها الدماء بغير رحمة، لأن الباقي هو القوي، رغم انه ليس الأفضل على أي حال.

لا يقصد من كلامي تبرير ما يحدث من عنف وقتل، وإنما هي محاولة متوجسة لفهم ظاهرة محزنة، مؤسفة، يتكرر حدوثها دائما وعلى مرّ العصور.. راجية أن تكون هذه الأفكار خاطئة، ونلتقي أخيرا بنظريات أخرى تفسر محبة الناس لبعضهم وصراعهم الدائم من أجل السلام ونصر المستضعفين في الأرض.