قراءة في رواية الأسود يليق بك

AHLAMMOSTAGHANMI

 

 

أنهيت منذ يومين قراءة رواية “الأسود يليق بك” للكاتبة أحلام مستغانمي، وقد ترددت في كتابة رأيي في الرواية لعدة أسباب، أهمها أني لست بناقدة أدبية ولم أعرف بعد ما قاله النقاد المهنيين حول الرواية. كما وأنه إلى جانب النقاط الإيجابية والجميلة في الرواية رأيت بعض النقاط التي لم تنَل إعجابي، فلم أشأ أن أجرّح الرواية

ولكني بعد ذلك رجعت عن رأيي ورأيت أن أكتب نقدي كرأي شخصي وكقارئة محبة للروايات ولا سيما روايات أحلام مستغانمي وأنه ليس خطأ أن أكتب ما لم يعجبني في الرواية، طالما أن النقد بناء وفيه إحترام وتقدير للكاتبة وللقارئ العربي على حد سواء

ما لفت نظري بادئ ذي بدء، هو البنية الجميلة والفريدة للرواية، فهي أشبه ما تكون بقطعة موسيقية تتقسم فصولها إلى حركات، الحركة الأولى ثم الحركة الثانية.. وكثيرا ما نجد شخوص الرواية موصوفة بشكل موسيقي، فالرجل العاشق تصفه في بداية الرواية على أنه شبيه ببيانو مغلق على نفسه، فلا أحد يعلم أسراره وما يخفيه في باطنه: “كبيانو أنيق مغلق على موسيقاه، منغلق هو على سره”. أما بطلة الرواية فهي أحيانا كالناي الذي حتى لو نُزع من مكان مولده فهو يبقى يغني بشجن لذكرى أرضه الأولى التي انتزع منها. وأحيانا توصف على أنها أنواع مختلفة من الآلات الموسيقية

كما وتوظف الكاتبة الأفكار الموسيقية في وصفها للعلاقات الإنسانية، فكل واحد منا له إيقاعه الخاص وحتى يتم الإنسجام بين إثنين يجب أن يكون هنالك توافق وانسجام بين إيقاع كل واحد منهما ويجب أن يكون تناغم معين بينهما، تماما كما الألات الموسيقية التي تنسجم فيما بينها فتعطينا تركيبة موسيقية متناغمة رائعة وهو ما يسمى في الموسيقى بالـ “هارموني” أي الهرمونية

تصف الكاتبة في الرواية علاقة حب نشأت بين طرفين: مغنية من أصل جزائري، بدأت غناءها بالصدفة وذلك بعد فقدانها لأبيها وأخيها الحبيبين الذين قُتلوا رميا بالرصاص في أحداث الإقتتال الشعبي في الجزائر، فكان غناؤها طريقة لمواجهة ألم الفراق ولوعة حزنها على ما آلت إليه الجزائر من حرب أهلية واقتتال بإسم الدين الإسلامي.  وبين رجل ثري كان ضحية خيانة امرأة فقرر أن يثأر لفشله في الحب بنجاحه في العمل

وُصفت العلاقة الغرامية بشكل مثير ومشوق، فإيقاعها بدأ بطيئا رتيبا مشوقا، يتحكم به شخص واحد وهو الرجل، فهو يقرر متى يضيف آلات موسيقية للحركة ومتى يخفف الإيقاع أو يزيده، أما المغنية فكانت الراقصة التي تتحرك بحسب إيقاع الموسيقى المفروض. لم تعجبني هذه الصفة في شخصية البطلة، فهي سلبية جدا في هذه الناحية، كانت تميل كما تميل بها ريح الهوى، وظل الرجل ممسكا بزمام الأمور ويتحكم في حركة رياح الحب، فهو يقرر الإنقطاع عن حبيبته متى شاء ويقرر لقاءها متى يشاء.. وهي مسلوبة مأخوذة بحبه جاهزة لأي لقاء يطلبه منها حتى لو كان على حساب حفلاتها وإلتزاماتها الغنائية الأخرى

أرى أن أحلام مستغانمي وُفقت في وصف العلاقة الغرامية بين الجانبين، ووُفقت في وصف بعض العلاقات المتسمة بسلطوية الرجل وسلبية المرأة، فالرجل يقرر متى شاء كيف يسير إيقاع الحب ومتى يوقف الإيقاع، وأن المرأة كثيرا ما تظل خاضعة لأهواء الرجل وللرقص بحسب إيقاع الحب الذي يقرره. من  ناحية ثانية، أعجبني كثيرا هذا الكبرياء الذي ألبسته الكاتبة لبطلة الرواية، فهي رغم حبها وعشقها للرجل، ورغم ثرائه الكبير الذي أوصله إلى شراء طائرة خاصة به بدل استخدام المطارات والسفر مع “عامة” الشعب، إلا أنها لم تكن تقبل مساعداته المالية، ولا هداياه الفاخرة أسوة بجميع النساء التي أهداهن نفس الهدايا. كما أنها لم تكن تقبل منه هدية ما دون إعطائه هدية بالمقابل ولم تكن تلك المرأة التي تساوم على كبريائها ومكانتها

كما ووفقت الكاتبة في اختيار العبارات والبلاغات التي أضفت جوا شاعريا على الرواية، كثير منها كما أسلفت الذكر في البدء مستوحى من لغة الموسيقى والرقص. غير أن العبارات والبلاغات الزاخرة في الرواية هي صفة واضحة في أسلوب أحلام مستغانمي وهو ما تتفرد به عن كثيرين من الكتاب

أما ما لم يعجبني في الرواية، ولم يرُق لي، فهو إعادة توظيف أحداث وتاريخ الجزائر من جديد في هذه الرواية، إذ أن الكاتبة تحدثت عن هذا الأمر في رواية ذاكرة الجسد، فوضى الحواس ولا أعلم إذا تحدثت عنه في عابر سرير لأني لم أقرأ الرواية. فلماذا كان توظيف جديد لأحداث الجزائر الماضية؟ لماذا مثلا لم تتحدث عن مآسي العالم/الوطن العربي حاليا؟ من جهة أخرى لم أفهم كثيرا هذا الإدخال لأحداث الجزائر في الرواية؟ لم أجد انسجاما جميلا بينهما، حسنا ربما يكون تاريخ كل فرد فينا له تأثير على ما نحن عليه اليوم، أي أن فقدان المغنية البطلة لوالدها وأخيها له أثر واضح على اختيارها للون الأسود كرداء دائم لها ولأغانيها، ولكن كانت هنالك تفاصيل كثيرة في تاريخ الجزائر لم أفهم علاقتها بالرواية، رغم أهميتها المجرّدة، فاعتبرتُها حشوا لصفحات الرواية

كما وأن الكاتبة تركتني في حالة إلتباس إزاء ملامح شخصيات الرواية الأساسية، شعرتُ أنها لم تصفها بشكل واضح وامتلأت شخصية كل واحد منهما بتناقضات كثيرة. فالمغنية البطلة العاشقة خرجت من الجزائر بعد الحروبات والإقتتال بين فئات الشعب وبعد فقدانها لأعز اثنين، حاملة معها كبريائها المتأصل الذي لا تقبل المساومة عليه، من جهة أخرى فقد كانت سلبية وإندفاعية إلى حد قبول اللقاء بحبيبها متى شاء وفي أي بلد يشاء بما يلائم أعماله، وإذا غضب منها يقاطعها شهرين وأكثر ثم يقرر الإتصال بها ودعوتها إلى لقاء في فيينا لبضعة أيام، فتحزم أمتعتها على وجه السرعة وتغادر ! أليس هذا تناقض مع كبريائها؟ وفي نهاية الرواية تقول الكاتبة انها خلعت رداءها الأسود الذي طالما امتدحه حبيبها وقال لها: “الأسود يليق بك” وارتدت لون اللازورد إستفزازا له وثأرا لكرامتها منه. ثم تكمل الكاتبة فتقول إن الإنتقام لم يعد يعنيها لأنه يسمح لمن نريد الثأر منه أن نبقى أشقياء به
من جهة أخرى، كان يستفزني بشكل شخصي فخر الكاتبة ببطلة الرواية واصفة إياها على أنها “أخت رجال” وأنه إلى جانب مزاياه الأنثوية تحمل مزايا رجولية وهذا سر جمالها. فتصفها في نهاية الرواية قائلة: هي اليوم امرأة حرة كما هم “الشاوية” : الرجال الأحرار. لا يا سيدة أحلام مستغانمي، ليست المرأة الحرة كالرجال الأحرار وإنما كالنساء الأحرار وهنّ كثر، وإحداهن جميلة بوحيرد وغيرها من النساء. فلا داعي لوصف قوة امرأة بتشبيهها بالرجال، لأن القوة والحرية ليست حكرا على الرجل وليس الرجال مقياسا للقوة والحرية

أما شخصية الرجل، وهي التي تركت لدي تساؤلات أكثر، فلم أفهم ماذا تريد الكاتبة منه؟ كيف تريد وصفه؟ من جهة تقول إنه رجل ثري غامض يتباهى بعدد النساء اللاتي أحبهن، وأنه ظن أن بماله يستطيع امتلاك كل شيء، ويتحكم في المرأة التي يحبها ويقرر عنها أي الحفلات الغنائية عليها المشاركة بها وايها لا، وأنه شخص مغرور “من أين لإنسان هذا الغرور، والحجارة التي رفع بها أبراجه من خلق الله؟ ليتواضع قليلا، ما دام عاجزا عن خلق أصغر زهرة برية تنبت عند أقدام قصره. فبمعجزتها، عليه أن يقيس حجمه”
ومن جهة ثانية تقول عنه الكاتبة إنه بعد فشله في الحب قرر أن ينجح في عمله، فإن تجاربه الفاشلة في الحب وخيانة المرأة التي أحبها كثيرا له، علمته ألا يثق بالنساء ولا بأحد إلا بكلبه، ولأنه رجل ثري وشهير لكن شكله الخارجي غير جميل، فإنه يعلم أن معظم من يحبونه يتقربون منه لأجل ماله وليس لأجل شكله. لذلك كانت الشكوك دائما تراوده إزاء علاقته ببطلة الرواية. خاصة بعدما ترك لها في المطار أن يدلها قلبها عليه وهو واقف بين جميع المنتظرين للمسافرين، لكن قلبها لم يدلها عليه، بل دلّها إلى الكثير من الرجال الذين وقفوا حولها دون أن تلتفت إليه لثوانٍ، ألهذا الحد لم تكن ترغب بأن يكون هو الرجل الذي تريده. كما وأن الرجل حين شرب الكثير من الخمر في إحدى الليالي وفتح قلبه للمغنية التي أحبها، تحدث عن الكثير من الأمور المؤلمة التي ما كان ليتحدث عنها وهو في وعيه، لأنه “بيانو مغلق على موسيقاه”. وعليه لم أفهم كيف ترى الكاتبة هذا الرجل؟ فهي بعد أن أنصفته وأظهرت ما مضى عليه من خيبات أمل في الحب، نراها في نهاية الرواية تتضامن مع المغنية البطلة وتقول إنها قررت أن تنسى حب هذا الرجل المتملك والمغرور وتنتصر عليه بالنجاح في أعمالها الغنائية

لماذا لم تتضامن الكاتبة مع الرجل؟ ألم يكن كافيا أن امرأة خانته من قبل وأن ضعف ثقته بنفسه ظهر جليا أكثر عندما ثارت شكوكه إزاء بطلة الرواية وهي تحدث آخرين أمام ناظريه وتحدثهم أيضا هاتفيا دون علمه؟ بحسب رأيي، إن الصدمات العاطفية التي يتلقاها الإنسان في حياته تؤثر سلبا على علاقته الغرامية المقبلة. ففي حين تفهمت الكاتبة تاريخ بطلة الرواية وبررت تصرفاتها وفق نشأتها وحياتها، إلا أنها لم تفهم أو لم تبرر للرجل أفعاله وفق ما مضى عليه. فكان هنالك خلط وتناقضات وعدم وضوح في الشخصيات، مما أضعف بحسب رأيي من حبكة الرواية وترابطها المنطقي

هذه بعض ملاحظاتي على الرواية، ولكني دوما على أمل أن لدى مستغانمي قدرات على كتابة روايات أفخم وأكبر مما كُتب لا تعود فيها على نفسها من جديد ولا تظل توظف مشاكل الجزائر فيها.. أحيانا أقول لنفسي، أن بعض الكتّاب يأتيهم الإلهام لكتابة رواية واحدة رائعة في العمر ومن ثم يخبو لهيبهم
لا شكّ في أن أحلام مستغانمي كاتبة رائعة باختيارها للمفردات والعبارات العربية الجميلة، ولا زالت كتابتها جميلة نسبيا، لكني بت أشعر أن ألق كتابتها بات يخبو شيئا فشيئا

قراءة أحلام رحال- 04 نيسان 2013

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.