مذكراتي مع الفتاة الأفغانية

July 12, 2011


أذكر يوم ذهبت إلى محل “جاليري” لأخذ لوحات كنت قد أطـّرتها، أعطاني صاحب المحل هدية. كانت تلك صورة الفتاة الأفغانية
لم أكن وقتها أعرف شيئا عن الصورة، عن شهرتها وحيثياتها. لكني أذكر فقط أني حين رأيتها، ابتعدت.. رجعت الى الوراء. كمن أصابته الصدمة. قلت بشيء من الارتباك: ما هذه؟
أجابني: انها الفتاة الأفغانية، من أفضل وأهم الصور الفوتوغرافية التي التقطت في القرن العشرين

لا أذكر أني أعجبت بالصورة لدى رؤيتي لها، لا ولم أتأثر أبدا باشادته لها. شعرت فقط بالنفور والخوف والهلع.. وترددت كثيرا في أخذها معي. قال صاحب المحل بابتسام: احتفظي بها. أنت على أي حال لن تدفعي ثمنها. يمكنك ألا تعلقيها إذا لم تعجبك

في البيت، علقت جميع اللوحات، وتجاهلت صورة الفتاة الأفغانية. حتى جاءت أختي الصغيرة ولاحظت وجودها فسألتني اذا ما اريد تعليقها. أجبت بالنفي. فسرّت كثيرا وعلقتها على جدار غرفتها.

بقيت الصورة سنين.. كلما مررت بها أحيل ناظريّ عنها.. كنت أهرب منها. أخاف نظراتها المباشرة. كانت ترهبني، ترعبني، تهددني. وكأنها تسألني: ماذا تريدين مني؟

بعد سنين من وجود الصورة في بيتنا.. والمرور بجانبها دون القاء نظرة اليها، قررت أن أتحداها (أو ربما أتحدى نفسي) قررت النظر في عينيها علنا نتصالح. بعدما كنت أعيش احساسا بأن للفتاة نظرة إخافة وترهيب بت أفكر: ربما كانت الفتاة نفسها خائفة. ألا يفسر هذا نظرة عينيها؟ لماذا اذن حكمت أنها تريد اخافتي؟ ألا يمكن أن تكون هي ذاتها خائفة وهلعة؟

تذكرني هذه الحالة بالفزّاعة، التي ترهب وتخيف العصافير التي تحاول الاقتراب من حقلها. وحين يتشجع أحدهم ويقترب منها، يكتشف كم هي هشـة من الداخل وفارغـة! كحال بعض الكائنات الحية، والكثير من البشر، الذين يبدون مخيفون من الخارج، ولكنهم هشّون جدا من الداخل.

أكانت الفتاة الأفغانية خائفة إذن؟
أسئلة كثيرة راودتني كلما حدقت فيها ونظرت في عينيها البلورتين. ترى ماذا كان يدور في خلدها حين التقطت لها هذه الصورة؟
لا أعلم.. ولا أحد يعلم..وربما هذا هو سر جمال الصورة.
ولربما هذا الغموض هو ما دفع بالكثيرين لتشبيهها بلوحة الموناليزا، تلك اللوحة التي لا يملك أحد تفسيرا محددا لتعابير وجه السيدة فيها، لابتسامتها ونظرتها الحزينة

ربما صدق من يعتقد أن في الغموض سحر ما

العـودة إلى الـذات

September 14, 2010

قرابة العامين مروا على عزوفي عن زيارة هذه المدونة، وكأن الوقت رمل يفلت من بين اصابعي
حاولت كثيرا الدخول من جديد الى المدونة، إلا أن الدخول كان صعبا جدا.
لقد نسيت كلمة السر!! ولم يسعفني البريد الالكتروني في تحديد كلمة أخرى.
يقال إن البيوت تحزن حين يهجرها أصحابها، أتراها المدونات كذلك؟
بعد محاولاتي الكثيرة واصراري على ايجاد كلمة السر.. نجحت ودخلت المدونة.
زرت كل ركن وكل موضوع فيها.. تفقدت أشيائي وكلماتي الغابرة، مسحت عنها ما علاها من غبار، وباغتني شغف كبير اكتابة بعض ما احتقنت به مشاعري خلال هذين العامين.
اشتقت الى الخربشة على بياض الصفحات. اشتقت إلى طرق جدار الصمت..
اشتقت الى فرد أجنحتي والرحيل نحوأفق النور..
اشتقت إليّ !

December 30, 2008

najiali2

رب عـدوّ لـك ولدتـه أمـك

صدى الصمت

November 11, 2008

يلتحف سرب طيور رمل الشاطئ

يغزلون من نور الشمس وشاحا

ومن دفء البحر وسادة

يشربون كؤوس الفرح

ويعزفون على أوتار الصيف

نغمات عذبة..

                                                                      

لا شيء على الشاطئ الأزرق

سوى دويّ ضحكة

 

****

 

في غفلة من عيون الزمن

تقتحم صقور سوداء أفق السماء

ينقضون على السرب الحالم

يمزقونه

ينثرونه في فضاء الصمت

ثم يرحلون

 

يستيقظ على ضفاف اللوعة

نورس

لم تطله مخالب الرصاص

يرى البحر مسجى أمامه

وشظايا رفاقه

بقايا من حلم تمزق

                                                                      

تأخذه اللوعة

يرقص على الموج الدامي

رقصة بلهاء

ثم يسقط فوق رفاقه

مضرجا بوجعه..

 

لا شيء على الشاطئ الأحمر

سوى دويّ صرخة

غـربــان

November 1, 2008

كان يستهويني في طفولتي مسلسل كرتوني للأطفال، يدهشني فيه مشهد العمالقة وهم يلاحقون أقزاما محاولين الانقضاض عليهم، ولكن حين تشرق الشمس كان يهرب العمالقة هلعين، فيحيلهم النور إلى حجارة لا يستطيعون حراكا.

اليوم حين كبرت أيقنت ان هذه الشخوص لا تختلف كثيرا عن أناس نلتقيهم في حياتنا، يطلون علينا بأبهى صورة وأنقى ابتسامة ويغدقون علينا بعذب الحديث. كأنهم غربان ترتدي قناع حمامة، يحطون على أكتافنا في لحظات ضعف. نقاسمهم خبز أحلامنا وقمح صدقنا ونفتح لهم أبواب قلبنا دون مقابل. لكن سرعان ما تنكسر تلك القشرة التي تغطيهن حين تضيء شمس الحقيقة فيعريهم النور من زيفهم ويظهر لنا واقعهم المشوه.

يذهلني أن لهؤلاء أقنعة كثيرة، تتبدل من وقت لآخر ومن ظرف لآخر. كلما ظننا أننا تعلمنا من خطئنا، نجد أننا وقعنا في شرك جديد.

ترى كيف نقي بيادرنا من غربـان يحجبها ظلام النفوس؟

ضـوء في الذاكـرة

September 29, 2008

ثغركِ الطيب.. يتثاءب في الصباح

على أريكة ذاكرتي

يحمل معه البحر والنعناع.. ورائحة الليمون

 

*****

حبيبتي.. ما زلتِ رائعة الملامح

جسدكِ الأسمـر.. يمتـدّ أمـامـــي

مخمليّ الملمس

يغريني بالضيــاع..

*****

 

 

أمـرّ عليـه

أسير فوق ذاكرتي

أراك أمامي.. بين يدي

ولستِ لي !!

 

*****

 

مللتُ الانتظار

وملّ البرتقال وعودنا

اذهبـي أنـى شئت

عـاشري مـن شئـت

تيهي ستيـن عـاما أخـر

لكـن ظلـي في الجـوار

تـطلين علـى شـرفـات قـلبـي

كمعزوفة قمـر

لا تكتمـل

 

فرح مؤجل

September 23, 2008

يذوب اسمك في فمي كقطعة سكر

فيستيقظ فيّ شوق إليك

يبعثر ما ظلّ بي من كبرياء

أحث الخطى.. في هدءة ليل سرمدي

لأطالع وجهك

علّي أراك.. ترفو جوانب الشوق مثلي

 

يجدف بي الليل بعيدا..

وتنأى الطرقات

تنمو على أطراف الوقت أحلام مؤجلة

وفرح يستدعي الانتظار

أسمع صوتك في أعماق الصمت

يناديني..

كم يصير اسمي جميلا.. حين تناديني

فأتابع  السير..

بي شوق لألامس منبع النور

حين تصحو عيناك

فيصحو الكون

 

كم يبدو لي الفجر بعيدا

حتى التلاقي

وكيف يمر الوقت بين أصابعي

مثل الحـريـق .. !

سلاسـل

June 28, 2008

الروح لهيب شمعة يتـقد في جسد مكبل

فإما أن يحترق الجسد

أو يخبو اللهيب

بهـدوء !

***

الجسد.. كفن أنيق لعصافير غردت ذات يوم

ثم ما لبثت أن “هذبتها” الحياة!

***

الأنثى.. تهمة تلقيتها منذ صرختي الأولى

لكنهم عفوا عني.. وتركوني اختار بحرية

لون الأصفاد التي أريد !

***

في الحلم تهرب الطيور من أقفاصها

تحلق عاليا في سماء لم تطلها يد الحرية

وفي الصباح نصحو لنجدها ميتة على قارعة الواقع!

***

أنا وأنت.. وجهان محطمان

تحت قنـاع جميــل

طـفولـــــة

June 8, 2008

 

كنت أسمع صراخ أطفال الحي، أبناء جيلي، يملأ المكان، ولم أكن بحاجة لتفسير لما يحدث، كنت أعلم أن سبب صراخهم وبكائهم هو أن أهلهم يقومون بتهذيبهم وتربيتهم على القيام بالأعمال الـ “صالحة” ونبذ الأعمال الصبيانية أو التي تسبب الإزعاج لغيرهم. وقد كانت الطريقة المتبعة آنذاك والتي لا زالت متبعة وبشكل قوي في مجتمعنا العربي هي طريقة الضرب المبرح والتوبيخ الكلامي المهين. كان على الطفل أن يخضع للضرب دون أن يقاوم أو يعترض أو يهرب من العقاب. كان عليه أن يبلع غضبه ويكبته بشدة، وعليه أن ينصاع لما فرض عليه من “تهذيب” وتلقين وتعليمات.

لن أدخل في فلسفة التربية الحديثة والصحيحة، ولن أدخل في أثر العقاب الجسدي على نفسية الطفل وعلى أبنائه في المستقبل، ولا على شخصية الإنسان العربي الناشئ فيما بعد.. ولكن استوقفني سؤال ما قرأته ذات يوم: لماذا هنالك ابناء يتركون آباءهم في شيخوختهم وسنوات عجزهم دون أن يمدوا لهم يد العون أو اي دعم نفسي؟!

 

لـؤلـؤ مـنـثــــور

June 8, 2008

أجمع هنا لؤلؤا نثرته أنامل بعض الكتاب الذين أثروا روحي

هو بعض ما قدموا من جمال للنصوص الأدبيـة:

(1) – مهيـار (عبد الواحد علواني)

أنا وهي نشيج يعبر الزمن، وألوهة تبددت ذات تبجح، فانشطر الحلم الفضي، وترامى عبر الأنحاء ذرات ضوء..
هي وأنا.. ذاكرة تعج بالحواس اليقظة، وجسدان من صلصال خالطه إثم البداية.
تعبق بي، أنتشر فيها..تشتعل حماسة الكائنات.. ويغدو المكان مهرجان خلق..أناديها بكل مافيها، فتصحو على مفاتن لم تدر بخلدها، أحتال على ثمرها، أسّاقط رطبا جنيا، تمتزج الانفاس حرى، فتلتمع في المقل بيادر غلال..
تشف هي عن الف امنية مؤجلةوأشف أنا عن انكسارات قادمة، تغزوني ماضيا لا بد أن يعبق، وأحتلها قادما لابد أن يضيءنلتف على شجرتنا، نحفر عليها هياجنا، ونخصف من ورقها على أبصارنا.. لتتدفق الرغبة حيث تشاء.
يوقع بنا الوشاة، ويترصدنا القضاة، ويحكم بفنائنا أعيان القسوةوكلانا زهر في غير اوانه، زهر في غير مكانه، ارض ملأى بالجراح، وسموات غامضةوالعمر استراحة محارب على مفترق قلب.
-
تعالي اليفأنا أصيصكلاشيء يروي جذورك ويسبغ عليها الدفء مثلي
-
تعال إليفأنا بدؤك ومصيرككما خرجت تعود.. 

 

 

 

 

 

 

 

(2) – نيكوس كازانتزاكيس

لم أر أمي تضحك أبدا. كانت تبتسم ببساطة وتنظر إلى أيّ شخص بعينين عميقتين ممتلئتين بالصبر واللطف.
تروح وتجئ في البيت كشبح لطيف تؤدي لنا حاجاتنا دون ضجة أو جهد وكأنما يداها تمتلكان قوة سحرية خيرة وتمارسان تحكّما خيّرا بحاجاتنا اليومية.
وبينما كنت أجلس بصمت أرقبها كان يخطر لي أنها ربما كانت نيريدالمذكورة في قصص الجنيات.
وكان خيالي يعمل حسب عقلية الطفولة: لقد رآها أبي ترقص على ضوء القمر ذات ليلة بينما كان يعبر النهر. فهجم وأمسك بمنديلها. وهذا ما كان حين جلبها إلى البيت وتزوّجها.
وأمّي الآن تروح وتجيء في البيت طوال النهار تبحث عن منديلها لتضعه على شعرها وتتحوّل من جديد إلى نيريد وترحل.
وتعوّدت أن أراقبها وهي تروح وتجيء وتفتح الخزن والصناديق وتكشف عن الجرار وتنحني لتنظر تحت الأسرّة. وكنت أرتعد لفكرة أنها قد تجد صدفة منديلها السحري وتختفي.
وقد لازمني هذا الخوف سنوات عديدة وكان يجرح روحي الوليدة بعمق. وظلّ معي حتى هذا اليوم. وما يزال أشد غموضا.
إنني أراقب الناس أو الأفكار التي أحبّها بألم لأنني أعرف أنهم يبحثون عن مناديلهم لكي يرحلوا.

 


 

 

 

 

 

(3) – محمود درويش

على قلبي مشيت، كأن قلبي 

طريق، أو رصيف، أو هواء

فقال القلب: أتعبني التماهي

مع الأشياء، وانكسر الفضاء

وأتعبني سؤالك: أين نمضي

ولا أرض هناك… ولا سماء

وأنت تطيعني.. مرني بشيء

وصوبني لأفعل ما تشاء

فقلت له: نسيتك مذ مشينا

وأنت تعلتي، وأنا النداء

تمرد ما استطعت علي واركض

فليس وراءنا إلا الوراء

 

 

 

(4) – جبران خليل جبران

إذا اشارت اليكم المحبة فاتبعوها

وان كانت مساكلها صعبة متحدرة

واذا ضمتكم بجناحيها فأطيعوها،

وان جرحكم السيف المستور بين ريشها.

المحبة تضمكم الى قلبها كأغمار الحنطة

وتدرسكم على بيادرها لكي تظهر عريكم

وتغربلكم لكي تحرركم من قشوركم

وتطحنكم لكي تجعلكم أنقياء كالثلج

ثم تعدكم لنارها المقدسة، لكي تصيروا خبزا مقدسا يقرب على مائدة الرب المقدسة.

كل هذا تصنعه المحبة بكم لكي تدركوا أسرار قلوبكم، فتصبحوا بهذا الإدراك جزءا من قلب الحياة.

المحبة لا تعطي إلا نفسها، ولا تأخذ الا من نفسها.

المحبة لا تملك شيئا، ولا تريد أن يملكها أحد.

لأن المحبة مكتفية بالمحبة.

والمحبة لا رغبة لها إلا في أن تكمل نفسها.

ولكن، اذا أحببت، وكان لا بد من أن تكون لك رغبات خاصة بك، فلتكن هذه رغباتك:

أن تذوب وتكون كجدول متدفق يشنف آذان الليل بأنغامه.

أن تخبر الآلام التي في العطف المتناهي.

أن يجرحك إدراكك الحقيقي للمحبة في حبة قلبك، وأن تنزف دماؤك وأنت راض مغتبط.

أن تعود الى منزلك عند المساء شاكر، فتنام حينئذ والصلاة لأجل من أحببت تتردد في قلبك، وأنشودة الحمد والثناء مرتسمة على شفتيك.

 

                            


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.